التوتر الأمريكي الإيراني .. بين الصمود والرهان علي عامل الوقت وسيف العقوبات

وسط تقارير تستبعد استسلام إيران

الرائد ..لماذا لا تستسلم إيران للضغط الأمريكي رغم العقوبات الخانقة والتهديدات العسكرية المتكررة؟ وهل تراهن طهران بالفعل على أن الوقت سيعمل ضد الرئيس دونالد ترامب، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس؟ أم أن الاقتصاد الإيراني وصل إلى مرحلة قد تجعل التراجع عن شروط التفاوض أكثر صعوبة من تقديم تنازلات؟أسئلة تسيطر علي مشهد الوضع الغامض الذي يحكم العلاقة بين إيران وأمريكا.

المشهد الحالي لا يشير إلى استسلام وشيك من أي طرف، بل إلى لعبة انتظار شديدة الخطورة. فواشنطن تريد اتفاقًا يفرض قيودًا واسعة على البرنامج النووي الإيراني، بينما تصر طهران على أن أي اتفاق يجب أن يتضمن مكاسب ملموسة، خصوصًا رفع العقوبات ووقف الضغوط على صادرات النفط والأصول الإيرانية. وفي سبتمبر، أعلنت إيران أنها لن تقدم تنازلات نووية أساسية، فيما استمرت الاتصالات غير المباشرة عبر وسطاء إقليميين.

لماذا تتحمل طهران الضغط؟

وفي هذا السياق لا تقوم الحسابات  الإيرانية  على الاعتقاد بأن العقوبات غير مؤثرة. على العكس، تشير تقارير حديثة إلى أن العقوبات والحصار الأمريكي تسببا في ضغوط شديدة على الاقتصاد الإيراني، مع تراجع كبير في صادرات النفط وارتفاع التضخم وتآكل احتياطيات العملة الأجنبية. ووفق تقرير لرويترز في سبتمبر، هبطت صادرات النفط الإيرانية إلى نحو 260 ألف برميل يوميًا، مقارنة بنحو 1.7 مليون برميل في العام السابق.

لكن المشكلة بالنسبة لواشنطن هي أن الألم الاقتصادي لا يعني تلقائيًا قبول الشروط الأمريكية.

طهران تبدو وكأنها تراهن على أن تقديم تنازل كبير تحت التهديد سيتركها في وضع أضعف، بينما يمكنها استخدام الوقت للحصول على شروط أفضل أو انتظار تغير الظروف السياسية والعسكرية.

كما أن تجربة العقوبات الطويلة دفعت إيران إلى تطوير آليات للتكيف مع القيود، رغم أن قدرتها على تحمل الصدمة الحالية أصبحت أكثر محدودية. وتشير دراسة لمكتبة مجلس العموم البريطاني إلى أن الاقتصاد الإيراني تضرر بشدة، لكنها تلفت أيضًا إلى تاريخ إيران الطويل في التكيف مع العقوبات.

تراجع المفاوض الإيراني

ومن هنا يمكن التأكيد علي أن تراحجع المفاوضا الإيراني يعد احتمالا قائما لكن التراجع لا يبدو مرادفًا لقبول الشروط الأمريكية كما هي.

والسيناريو الراجح هنا يسير في إطار إنه  إذا تحركت المفاوضات، أن يكون المسار عبر تسوية تدريجية: خطوات إيرانية محدودة في الملف النووي أو الرقابة الدولية مقابل خطوات أمريكية في العقوبات والأصول المجمدة والنفط. وهذا هو جوهر العقدة الحالية؛ فكل طرف يريد أن يحصل على المقابل قبل أن يقدم التنازل.

وتكشف المفاوضات الأخيرة عن محاولة لصياغة هذا النوع من التبادل. فقد طرحت طهران خطة من سبعة أيام لإعادة فتح مضيق هرمز وبدء مسار تفاوضي، مقابل إجراءات أمريكية تتعلق بالحصار والأصول والعقوبات. واستمرت الوساطة القطرية رغم رفض ترامب الأولي للخطة.

إذن، يبقي السؤال ليس فقط: هل ستتراجع إيران؟ بل ما الثمن  الذي ستطلبه مقابل التراجع؟ من المستفيد من عامل الوقت؟هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا

فعلي الصعيد الاقتصادي فإن  استمرار الوقت ليس مريحًا لإيران. فالعقوبات والحصار يضغطان على النفط والعملة والسلع والطاقة، وكل شهر إضافي من المواجهة يزيد التكلفة.

لكن سياسيًا، يفرض اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 3 نوفمبر 2026 عاملًا جديدًا على حسابات واشنطن. وقد ربطت تقارير حديثة بين استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة وبين الضغوط السياسية التي يواجهها الجمهوريون قبل الانتخابات.

وهذا التطور  يمنح إيران سببًا للاعتقاد بأن واشنطن قد تصبح أكثر اهتمامًا بإظهار نتيجة دبلوماسية قبل الانتخابات. وفي المقابل، لا يعني ذلك أن ترامب مضطر إلى تقديم تنازلات؛ فالرئيس الأمريكي يستطيع استخدام استمرار الضغط العسكري والاقتصادي باعتباره ورقة تفاوضية، وقد ألمح بالفعل إلى احتمال استئناف القصف بعد الانتخابات إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.

مستقبل المواجهة

ويبدو هنا أن المسارالسائد حاليا   يبدو أقرب إلى مواجهة مفتوحة على ثلاثة احتمالات: صفقة مرحلية، استمرار حرب الاستنزاف الاقتصادية والعسكرية، أو عودة التصعيد الواسع.

أما الصفقة الصفقة المرحلية فقد تكون الطريق الأقل كلفة للطرفين، لكنها تتطلب حل مشكلة انعدام الثقة. إيران تريد ضمانات بأن تخفيف العقوبات لن يكون مؤقتًا، وواشنطن تريد ضمانات بشأن البرنامج النووي والقدرة الإيرانية على إعادة بناء قدراتها.

أما استمرار الجمود، فيعني بقاء الاقتصاد الإيراني تحت ضغط متزايد مع استمرار اضطراب أسواق الطاقة والملاحة. وقد حذرت تقارير حديثة من أن فشل المسار الدبلوماسي قد يقود إلى جولة جديدة من التصعيد.

بين الصمودوالعقوبات

لكن المفارقة المثيرة أن الطرفين يعتقدان أن الآخر قد يكون أول من يتعب.فإيران تراهن على الصمود وانتظار لحظة يصبح فيها الاتفاق أكثر جاذبية لواشنطن. وترامب يراهن على أن العقوبات والضغط العسكري سيجعلان كلفة الرفض الإيراني أعلى من كلفة التنازل.

وبين الرهانين، يتحول الوقت نفسه إلى سلاح. لكنه سلاح ذو حدين: كلما طال الانتظار زادت الضغوط على إيران، وفي الوقت ذاته زادت الكلفة السياسية والاقتصادية للمواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها.

لذلك فإن السؤال الحاسم في الأسابيع المقبلة لن يكون من يطلق التهديد الأقوى، بل من يستطيع تحويل الضغط إلى تنازل قبل أن يتحول الضغط نفسه إلى أزمة أكبر من قدرة الطرفين على احتوائها؟

 

اترك تعليقا