حين يُحرَّق وطنٌ لأجل خصامٍ مات قبل أربعة عشر قرناً

ما الذي حدث في اليمن؟

أحمد الضبيعي

لم يكن للحوثيين، بوصفهم جماعةً تنتمي إلى طائفةٍ هي أقلية في البلد، ما يُحتجّ به من قهرٍ ولا إقصاء. لقد عاشوا الحرية كاملةً في ممارسة معتقداتهم ومناسكهم، ووصل أبناؤهم إلى قاعات السلطة بأدوات السلام: فحسين بدر الدين الحوثي انتُخب عام 1993م عضواً في مجلس النواب ممثلاً عن محافظة صعدة، على لائحة «حزب الحق» الذي مثّل التيار الزيدي سياسياً .

وطنٌ سبقهم إلى التسامح
الشعب اليمني أغلبه السُّنة، ومع ذلك كان يتقبّل أن يُنَصَّب مفتياً للجمهورية، في حالات عديدة، رجلٌ من المذهب الزيدي الذي يدّعي الحوثي أنه يمثله. ولم نرَ في تاريخنا القريب خلافاتٍ طائفية تستحق الذكر، ولا سجلاً للضيق في الأفق. فما كان من هذا التسامح ما يُبرِّر ثورةً، ولا ما يُغذّي غِيلاً؛ فالنصُّ هنا ليس على الطائفة الزيدية ولا على آل البيت المكرمين، وإنما على جماعةٍ اغتصبت لغةَ التاريخ كذريعةٍ لاقتلاع الحاضر.

ثم جاء الاختيار الآخر: أن يفرضوا معتقداتهم بالسلاح على غالبية الشعب، ويهاجموا ثوابتَ الإسلام ورموزه. يكفّرون أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لأنهم يزعمون أنهم سلَبوا الحكم من بيتٍ حاكِم، وكأن الإسلام مزرعةٌ هاشمية ! بل يكفّرون جمعاً من الصحابة كأنهم عاصروهم واختصموا معهم على بساتين القات في صعدة وذمار؛ خصومةٌ في زمانٍ ومكانٍ لا يجمعهم إلا توهُّمُ صاحبها.
فماذا يحصدون من هذا العبث غير إشعال نار الفتنة في بلدٍ لم يحتملها؟ إننا أمام ظاهرة تولّدِ «الكنيسة الحوثية»: مرجعيةٌ متوحِّشة لا ترضى إلا أن تُعبَد، وتحرق كل من يخالف رأيها. سلَّحها السلاحُ الذي استولت عليه من مخازن الجيش، بعد أن فُتحت لها الأبواب بأيادي خائنة ارتدت عن النظام الجمهوري. اليمن يتسع لكل أبنائه، غير أن الحوثي يصرّ على اختزاله في علبة كبريت.

كربلاء في عصر الذكاء الاصطناعي
إن استدعاء كربلاء، وفتح ملفات خصام بني هاشم وبني أمية التي حُسمت قبل أربعة عشر قرناً في أرضٍ ليست أرض اليمن، هو اجترار لمآسي وجراحات الماضي .
وما الذي سيكسبه اليمني من هذه الترهّات في عصر الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء؟ لقد أجاب الحوثي عن السؤال بخلق عالمٍ جديد، مدهشِ الإبداع في سوء الاختيار: «إنترنت الأشلاء»؛ شبكةٌ توصل جسداً إلى جسد، وتقطع العقلَ عن العقل، وتُعلن رسمياً قطعَ الاتصال بين اليمنيين أنفسهم.

ما يقوله القرآن عن الخلاف والسلطة
الخلافات الدينية لا تنتهي بحكم طباعها، ولهذا وجدنا القرآن الكريم — وهو راوي الخصام بحق — يرحّل حسمَها إلى الله تعالى يوم القيامة: ﴿ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: 113]، و﴿مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الشورى: 10]. فالإصرار على نقل هذه الخلافات الدينية إلى الساحة اليمنية هو إدخال البلد في دوامة صراعٍ لا تنتهي، وحُكمُها ليس لأدميين عاجزين عن العدل في الدنيا.
أما الحكمُ والسلطة فحدُّها الشعبُ وما يريد؛ ولهذا لم نجْد في كتاب الله آيةً تحدد طبيعة النظام السياسي للمجتمع، وإنما وجدنا قواعدَ تحكمٍ للمجتمع كالشورى والعدل والمساواة ، وإقحامُ النسب في تحديد السلطة ومن يليها ليس من الإسلام في شيء؛ إنه مدخلٌ لصراعاتٍ لا تنتهي، وهدمٌ لأساس الدولة التي يكون سندها المواطنةَ لا الميروث.

ما فعلته الجماعةُ الحوثية ليس سلسلةَ أخطاء يمكن ترميمها، بل اختيارٌ منهجي لحرائق القرون الغابرة في زمنٍ سبقها إلى المدارس والفضاء الرقمي. ومادام الخلافُ قائماً فمصيرُه عند الله، ومادامت الأرضُ لليمن فمصيرُها أن يقرّر شعبُها كيف يحكم ومن يحكم. أما من اختار السلاحَ ليفتح ملفات الموتى، فقد اخترع في حضرة التاريخ علماً واحداً لا يُنافس فيه إنترنتَ الأشياء: إنترنت الأشلاء.

اترك تعليقا