تجربة الصحوات

احمد مولانا

عندما غزا الجيش الأمريكي العراق، وأصدر بول بريمر قراراته بحل الجيش العراقي واجتثاث حزب البعث، مضت سلطة الاحتلال في بناء نظام حكم جديد على أسس المحاصصة الطائفية والعرقية، فتشكلت جماعات مقاومة متعددة المشارب، كان في قلبها فصائل ذات توجهات إسلامية. ومع تصاعد خسائر القوات الأمريكية، احتدمت النقاشات داخل واشنطن بشأن السبيل إلى الخروج من المأزق العراقي، وهي نقاشات نقل الصحفي بوب ودوارد جانبًا كبيرًا منها في سلسلة كتبه عن حروب بوش الابن.

وضمن محاولات تغيير مسار الحرب، اتجه الأمريكيون إلى استمالة شيوخ العشائر والوجهاء في المناطق السنية، بالتزامن مع مراجعة الجيش الأمريكي لعقيدته في مكافحة التمرد وإصداره نسخة محدثة من دليله الميداني تحت إشراف الجنرال ديفيد بترايوس، الذي جيء به خصيصًا للإشراف على تطبيق الاستراتيجية الجديدة. وفي هذا السياق جاء لقاء الرئيس جورج بوش الابن مع عبد الستار أبو ريشة في الأنبار.

أحدث المشروع انقلابًا داخل البيئة السنية. فقد دفعت القوات الأمريكية أموالًا لشيوخ عشائر ووجهاء، وقدمت التمويل والسلاح لعشرات الآلاف من المقاتلين، مقابل قتال تنظيمات محددة، مع تقديم ضمانات بالحماية من اعتداءات المليشيات الطائفية ومن سطوة الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة العراقية الجديدة.

تشكلت قوات عُرفت رسميًا باسم “أبناء العراق”، واشتهرت باسم “الصحوات”، وانطلقت من محافظة الأنبار قبل أن تمتد إلى ديالى وبغداد ومناطق سنية أخرى. وقد تداخلت في نشأتها اعتبارات متعددة، من بينها الصدام بين بعض بعض التنظيمات والعشائر حول النفوذ المحلي وطرق التهريب، فضلًا عن رغبة العشائر في حماية مناطقها من تنظيم الدولة ومن المليشيات الطائفية، مستفيدة من التمويل والتسليح الأمريكيين.

ولتمرير هذا المشروع، ولتبرير التنسيق وتلقي الدعم والتسليح من القوات الأمريكية، برز خطاب يعتبر أن “إيران أخطر من أمريكا”. وهكذا انتقلت قطاعات كانت تنظر إلى القوات الأمريكية بوصفها قوة احتلال إلى التعامل معها باعتبارها مصدرًا للحماية والتمويل، ولا تزال بعض الوجوه التي شاركت في تلك المرحلة حاضرة في المشهد حتى اليوم، تعيد اجترار وكبس نفس الخطاب.

وبعد أن نفذت الصحوات المطلوب، نقلت واشنطن في أواخر عام 2008 مسؤولية دفع رواتب عشرات الآلاف من عناصرها إلى حكومة نوري المالكي. غير أن العلاقة سرعان ما توترت، إذ خشي المالكي من أن تصبح هذه التشكيلات قوة أمنية وسياسية سنية مستقلة، فلاحق عددًا من قادتها واعتقل بعضهم، وتلاشت الوعود بدمج عناصرها في مؤسسات الدولة. ولم تستوعب الأجهزة الأمنية والوظائف الحكومية سوى جزءًا يسيرًا منهم، وأحيانا في أعمال مثل النظافة وصيانة الطرقات.

من المفيد الاطلاع على تجربة الصحوات، فما نشره عنها الأمريكان متوافر، وكثير منه متاح باللغة العربية، فضلا عن تقارير مجموعة الأزمات الدولية عن تلك الحقبة، ففيها تفاصيل وافية.

اترك تعليقا