أوزبكستان تدخل سباق وقود الطيران النظيف

في وقت يتزايد فيه الضغط الأوروبي لخفض الانبعاثات في قطاع الطيران

دخل مشروع أوزبكستان لإنتاج وقود الطيران المستدام مرحلة هندسية جديدة، بعد اجتماع عقد في مدينة نينغبو الصينية في 18 سبتمبر، وأعلنت نتائجه في 22 سبتمبر 2026، بمشاركة شركة «أليد بايوفيلز» وشركة سينوبك الصينية وشركتي «توبسوي» الدنماركية و«ساسول» الجنوب إفريقية وشركة «بلَغ باور» الأمريكية. وتبلغ القيمة التقديرية للمشروع 6.1 مليار دولار، فيما تستهدف الشركة اتخاذ قرار الاستثمار النهائي في الربع الأول من عام 2027.

المشروع ليس مجرد مصنع لوقود الطائرات، بل مجمع متكامل يجمع بين معالجة الكتلة الحيوية وإنتاج الهيدروجين الأخضر ووقود الطيران المستدام والوقود الاصطناعي المستدام، مع إنشاء مصادر للطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء. وتخطط الشركة لاستخدام محللات كهربائية تصل قدرتها إلى 2.4 جيجاواط لإنتاج الهيدروجين، بينما تتولى «سينوبك» أعمال التصميم والهندسة والتكامل وإعداد تقديرات التكلفة.

وتكمن أهمية المشروع لأوزبكستان في أنه يحاول تحويل الدولة غير الساحلية في آسيا الوسطى من مستورد ومستهلك للطاقة إلى مركز محتمل لإنتاج وقود الطيران وتصديره. وتقول الشركة المطورة إن الإنتاج المستهدف سيصل إلى نحو 160 ألف طن من وقود الطيران المستدام التقليدي و257 ألف طن من الوقود الاصطناعي المستدام سنويا، إضافة إلى وقود ديزل متجدد. كما يجري بحث مسارات لتصدير الإنتاج إلى أسواق خارجية، وهو أمر حاسم بالنسبة إلى دولة لا تمتلك منفذا بحريا.

لكن الرقم البالغ 6.1 مليار دولار ينبغي التعامل معه باعتباره تكلفة استثمارية تقديرية للمشروع، وليس أموالا استُثمرت بالفعل. فالمشروع لم يصل بعد إلى قرار الاستثمار النهائي، وما يجري حاليا هو مرحلة التصميم الهندسي الأولي التي تسبق عادة الالتزام النهائي برأس المال. وقد أكدت الشركة نفسها أن قرار الاستثمار النهائي مستهدف في الربع الأول من 2027.

وتأتي الخطوة في وقت يتزايد فيه الضغط الأوروبي لخفض الانبعاثات في قطاع الطيران. وتشير البيانات المنشورة حول المشروع إلى أن الاتحاد الأوروبي بدأ منذ 2025 تطبيق حد أدنى لاستخدام وقود الطيران المستدام في المطارات المشمولة، على أن ترتفع النسبة تدريجيا خلال السنوات المقبلة. وهذا يخلق سوقا محتملا للمنتجين الجدد، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليهم الالتزام بمعايير صارمة بشأن مصدر الطاقة والانبعاثات ودورة حياة الوقود.

ويرى مطورو المشروع أن دمج الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وإنتاج الوقود في موقع واحد يمنح المشروع ميزة صناعية، لكن حجم احتياجاته من الكهرباء يوضح أيضا التحدي. فالمخطط يتطلب نحو 4.45 جيجاواط من قدرات الطاقة المتجددة، إلى جانب تخزين كهربائي يصل إلى 1600 ميجاواط ساعة. وهذه أرقام كبيرة بالنسبة إلى مشروع واحد، ما يعني أن نجاحه لن يعتمد على التكنولوجيا وحدها، وإنما على قدرة أوزبكستان على توفير طاقة متجددة مستقرة وشبكات نقل وتخزين مناسبة.

وتشير شركة «بلَغ باور» المتخصصة في الهيدروجين إلى أن وقود الطيران الاصطناعي يمكن أن يخلق طلبا صناعيا كبيرا على الهيدروجين الأخضر والمحللات الكهربائية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن المشروعات واسعة النطاق تمر بعدة مراحل هندسية وتمويلية قبل الوصول إلى قرار الاستثمار والتنفيذ. ولذلك فإن انتقال المشروع الأوزبكي إلى مرحلة التصميم يعد تقدما فعليا، لكنه لا يعني أن المصنع أصبح قيد الإنشاء.

ويأتي المشروع أيضا في ظل ارتفاع الطلب على وقود الطائرات في أوزبكستان. وكانت الرئاسة الأوزبكية قد أعلنت في أغسطس أن الطلب على وقود الطائرات خلال النصف الثاني من 2026 يتوقع أن يبلغ 375 ألف طن، بزيادة 27% عن الفترة نفسها من العام السابق، نتيجة ارتفاع حركة الطيران عبر آسيا الوسطى وزيادة الرحلات إلى البلاد. كما أشارت إلى أن «أوزبكنفط وغاز» تستهدف إنتاج 310 آلاف طن من وقود الطائرات خلال العام.

وبذلك يتقاطع المشروع مع حاجة داخلية حقيقية، لكنه يستهدف أيضا سوقا خارجية. وإذا وصل إلى قرار الاستثمار ثم البناء في المواعيد المستهدفة، فقد يمنح أوزبكستان موقعا جديدا في سلسلة إمدادات الطيران بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. أما إذا ارتفعت تكاليف الطاقة أو تأخر التمويل أو ظهرت صعوبات في نقل الإنتاج إلى الأسواق الخارجية، فقد تتسع الفجوة بين القيمة المعلنة للمشروع والعائد الاقتصادي الفعلي.

واللافت كذلك هو الطابع الدولي للمشروع: الصين تتولى جانبا أساسيا من الهندسة، والدنمارك وجنوب إفريقيا توفران تقنيات إنتاج الوقود الاصطناعي، وشركة أمريكية تشارك في منظومة الهيدروجين. وهذا يجعل المشروع نموذجا لتعاون صناعي عابر للحدود في آسيا الوسطى، ويمنح أوزبكستان فرصة لتنويع شركائها الاقتصاديين بدلا من الاعتماد على مصدر واحد للتكنولوجيا أو التمويل.

المصادر والتواريخ:

وكالة الأنباء الوطنية الأوزبكية، 22 سبتمبر 2026، حول اجتماع مشروع وقود الطيران المستدام في نينغبو.

«تايمز أوف سنترال آسيا»، 22 سبتمبر 2026، تفاصيل المشروع البالغ 6.1 مليار دولار ومرحلة التصميم الهندسي.

شركة «بلَغ باور»، 21 سبتمبر 2026، تحديث عن تقدم المشروع ودور الهيدروجين الأخضر.

شركة سينوبك للهندسة، 21 سبتمبر 2026، تفاصيل مرحلة التصميم ومكونات المجمع.

رئاسة أوزبكستان، 3 أغسطس 2026، بيانات إنتاج وطلب وقود الطائرات.

اترك تعليقا