صندوق النقد يحذر الجزائر من كلفة العجز
استنزاف الاحتياطيات وهوامش الأمان
- dr-naga
- 23 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- البنك المركزي, الجزائر, العجز, صندوق النقد, عجزالموازنة
حذر صندوق النقد الدولي في تقييمه الاقتصادي المنشور في 21 سبتمبر 2026 من أن النمو القوي الذي حققته الجزائر لم يمنع تآكل هوامش الأمان المالية والخارجية، بسبب استمرار العجز الكبير في الموازنة وتزايد الاعتماد على تمويل البنك المركزي.
وقدّر الصندوق نمو الاقتصاد الجزائري بنحو 3.8% في 2026، لكنه توقع في الوقت نفسه استمرار عجز المالية العامة عند مستوى مرتفع، مع ارتفاع الدين الحكومي من 52.1% من الناتج المحلي في 2025 إلى نحو 53.2% في 2026.
وتظل الشبهات تحوم حول مصداقية الصندوق وسياساته التي تتعمد مراعاة داعميه اكثر من الدول التي تتورط معه وهنا مثال الجزائر يصلح دليلا على هذا النوع من البراجماتية الرأسمالية التي تساهم في سحق المواطنين
المشكلة التي يلفت إليها التقرير ليست غياب النمو، وإنما نوعية مصادره ومدى قدرة الدولة على تمويل الإنفاق مستقبلا.
فالاقتصاد الجزائري استفاد من الاستثمارات الحكومية ومن ارتفاع عائدات المحروقات،
لكن الصندوق يقول إن العجز المالي الكبير أدى إلى استنزاف الاحتياطيات وهوامش الأمان، في حين ارتفع التضخم إلى 5.2% في أبريل 2026 بعد فترة من انخفاض أسعار الغذاء.
كما سجل الحساب الجاري عجزا كبيرا في 2025 نتيجة ارتفاع الواردات وتراجع صادرات المحروقات.
وتزداد أهمية هذه الأرقام لأن الجزائر تعتمد بصورة كبيرة على عائدات النفط والغاز في مواردها الخارجية والمالية. ويرى صندوق النقد أن ارتفاع أسعار المحروقات يوفر للجزائر فرصة مؤقتة لإعادة بناء الاحتياطيات المالية، لكنه يحذر من أن استمرار الإنفاق المرتفع من دون إصلاح تدريجي سيجعل الاقتصاد أكثر تعرضا لأي انخفاض مفاجئ في أسعار النفط والغاز.
ويقدر الصندوق أن الاحتياطيات الرسمية، التي كانت نحو 51 مليار دولار في 2025، قد تنخفض إلى 46.5 مليار دولار في 2026 ثم إلى نحو 41 مليار دولار في 2027 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
ومن النقاط اللافتة أن الصندوق لم يقدم صورة سلبية شاملة للاقتصاد الجزائري. فقد أشاد باستمرار النمو وبجهود التنويع الاقتصادي، كما رحب بخروج الجزائر من قائمة البلدان الخاضعة للرقابة المعززة لدى مجموعة العمل المالي. لكنه اعتبر أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال أكبر من الاستثمار الذي تقوده الدولة إلى نمو يقوده القطاع الخاص، مع تحسين بيئة الأعمال وتقليص الحواجز التنظيمية وتعزيز الحوكمة والشفافية.
وتوصية الصندوق الأكثر حساسية اجتماعيا تتعلق بالدعم. فقد دعا إلى إصلاح تدريجي لدعم الطاقة، لكنه شدد على ضرورة أن يترافق ذلك مع دعم موجه للأسر الهشة. وهذا التفصيل مهم، لأن تقليص الدعم بصورة سريعة يمكن أن يرفع تكلفة الكهرباء والوقود والنقل، وبالتالي ينعكس على أسعار الغذاء والخدمات. أما الإصلاح التدريجي المصحوب بحماية اجتماعية، فيفترض أن يقلل أثر هذه الإجراءات على الشرائح الأقل دخلا، وإن كان نجاحه يتوقف على دقة آليات الاستهداف وقدرة الدولة على التنفيذ.
كما يلفت التقرير إلى قضية سعر الصرف. فالصندوق يوصي بزيادة مرونة الدينار الجزائري لمواجهة الصدمات الخارجية وتقليص الفارق بين السعر الرسمي والسوق الموازية.
وهذه توصية اقتصادية ذات آثار مباشرة على المواطنين والشركات؛ إذ يمكن لزيادة مرونة سعر الصرف أن تساعد الاقتصاد على امتصاص الصدمات، لكنها قد ترفع في المقابل تكلفة الواردات إذا صاحبها انخفاض في قيمة العملة.
والأخطر في المدى المتوسط أن الصندوق يتوقع ارتفاع الدين الحكومي تدريجيا إذا بقي العجز المالي مرتفعا؛ إذ تصل تقديراته إلى 60.4% من الناتج في 2027، ثم 66.4% في 2028، و71.2% في 2029، قبل أن تقترب من 79% في 2031 في السيناريو الأساسي للصندوق. وهذه ليست توقعات حتمية، وإنما مسار تقديري يعتمد على استمرار السياسات والظروف الاقتصادية الحالية. ويمكن أن يتغير إذا ارتفعت عائدات الطاقة أو تسارعت الإصلاحات أو انخفض الإنفاق.
وتكمن المفارقة الجزائرية في أن البلاد لا تواجه حاليا أزمة نمو بالمعنى التقليدي؛ بل تواجه سؤالا أصعب يتعلق باستدامة النمو. فالاقتصاد يستطيع تحقيق معدلات نمو تقارب 4%، لكن إذا ظل الإنفاق العام مرتفعا واعتمدت المالية على عائدات المحروقات والتمويل النقدي، فقد لا تتحول هذه المعدلات إلى قاعدة اقتصادية مستقرة على المدى الطويل.
ولهذا يركز الصندوق على القطاع الخاص والتنويع وربط الجزائر بصورة أعمق بأوروبا وإفريقيا في التجارة والطاقة. وإذا نجحت هذه العملية، يمكن للجزائر أن تستخدم عائدات النفط والغاز الحالية لبناء اقتصاد أكثر تنوعا قبل تعرض الإيرادات الهيدروكربونية لضغوط أكبر. أما إذا تأخرت الإصلاحات، فإن انخفاض أسعار الطاقة أو تراجع الصادرات قد يعيدان الضغط على الموازنة والاحتياطيات وسعر الصرف في وقت واحد.
وتبقى القضية الاجتماعية هي الاختبار الأهم. فالجزائريون قد لا يشعرون مباشرة بنسبة النمو إذا استمرت ضغوط الأسعار أو ضعف فرص القطاع الخاص. لذلك فإن نجاح السياسة الاقتصادية لن يقاس بالناتج المحلي وحده، بل بقدرتها على تحويل عائدات الطاقة والاستثمار العام إلى وظائف مستقرة ودخل حقيقي وخدمات أفضل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حماية الفئات التي قد تتضرر من إصلاحات الدعم والأسعار.
المصادر والتواريخ:
صندوق النقد الدولي، «المجلس التنفيذي يختتم مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 مع الجزائر»، 21 سبتمبر 2026. النص الكامل لصندوق النقد بالعربية
صندوق النقد الدولي، البيانات والتوقعات الاقتصادية الخاصة بالجزائر، منشورة ضمن تقرير 21 سبتمبر 2026.