بغد رفع العقوبات عن إريتريا .. واشنطن تسعي لضبط التوازنات في البحر الأحمر

الانخراط في وساطة بين أسمرة وأديس أبابا أهم أهدافه

الرائد : يمثل قرار الولايات المتحدة عدم تجديد العقوبات المفروضة على الحزب الحاكم والجيش الإريتريين تحولًا لافتًا في سياسة واشنطن تجاه أسمرا، خصوصًا أن العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس جو بايدن عام 2021 ارتبطت بدور القوات الإريترية في حرب تيجراي شمال إثيوبيا.

وجاء القرار الأمريكي في سبتمبر 2026 بعد انتهاء الحرب باتفاق بريتوريا عام 2022، وفي وقت تشهد فيه منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي تصاعدًا في التوترات الأمنية والسياسية.

واللافت أن واشنطن لم تقدم القرار باعتباره مجرد إغلاق لملف العقوبات القديم، بل تحدثت عن ضرورة تكييف السياسة الأمريكية مع «الحقائق الحالية» والعمل مع إثيوبيا وإريتريا بما يخدم المصالح الأمريكية. وهذا يفتح الباب أمام قراءة أوسع للخطوة، تتجاوز ملف حقوق الإنسان وحرب تيجراي إلى إعادة تموضع أمريكي في منطقة تزداد أهميتها الاستراتيجية.

البحر الأحمر في قلب الحسابات الأمريكية

وفي هذا السياق يصعب فصل توقيت القرار عن التحولات المتسارعة في البحر الأحمر. فإريتريا تمتلك ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر، كما يقع ميناء عصب بالقرب من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

وفي الوقت نفسه، أدى تصاعد قوة الحوثيين وسيطرتهم على مناطق ساحلية يمنية إلى زيادة المخاطر المحيطة بحركة الملاحة في باب المندب.

وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في ظل اضطراب حركة الطاقة والتجارة الدولية، بعدما أصبح البحر الأحمر أكثر ارتباطًا بأمن الملاحة العالمية نتيجة الحرب والتوترات الممتدة من الخليج إلى اليمن.

ومن هنا يمكن فهم رفع العقوبات باعتباره محاولة أمريكية لاستعادة قنوات التواصل مع أسمرا، بدل أن تبقى إريتريا دولة معزولة عن واشنطن في منطقة تحتاج فيها الولايات المتحدة إلى أكبر قدر ممكن من أدوات الاتصال والتأثير.

الوساطة بين إثيوبيا وإريتريا

أما السؤال الأكثر حساسية فيتعلق بالعلاقة بين أسمرا وأديس أبابا. فالتوتر بين البلدين عاد إلى الواجهة مع مطالبة إثيوبيا بالحصول على منفذ بحري، في وقت تنظر فيه إريتريا بحذر شديد إلى التحركات الإثيوبية. كما شهدت الأشهر الأخيرة اتهامات متبادلة بشأن دعم قوى مسلحة داخل إثيوبيا والمنطقة.

وفي 21 سبتمبر، أعلنت سبع جماعات مسلحة إثيوبية، بينها جبهة تحرير شعب تيجراي وقوات فانو في أمهرة، تشكيل تحالف ضد حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد، بينما اتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا بدعم التحالف، وهو اتهام تنفيه أسمرا.

في هذا السياق، يمكن أن يمنح رفع العقوبات واشنطن قدرة أكبر على التواصل المباشر مع القيادة الإريترية. ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة قررت بالفعل القيام بوساطة شاملة بين إثيوبيا وإريتريا، لكنه يزيل إحدى العقبات الرئيسية أمام الانخراط الدبلوماسي الأمريكي مع أسمرا.

وتشير تحركات أمريكية سابقة في القاهرة إلى اهتمام متزايد بملفات أمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر؛ إذ عقد المبعوث الأمريكي لشؤون إفريقيا ماساد بولس مشاورات مع مسؤولين مصريين وصوماليين وإريتريين حول الأمن والاستقرار الإقليميين.

من العقوبات لسياسة التوازن

فيما يعكس التحول الأمريكي رغبة في عدم ترك القرن الإفريقي لقوى إقليمية ودولية أخرى. فالمنافسة على الموانئ والنفوذ في البحر الأحمر أصبحت أكثر ارتباطًا بالتجارة العالمية والأمن البحري، بينما تتداخل أزمات السودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا مع التنافس الإقليمي.

وبدل الاعتماد على الضغط والعقوبات فقط، يبدو أن واشنطن تتجه إلى سياسة أكثر مرونة تقوم على التواصل مع أطراف متعددة، بما فيها حكومات كانت العلاقات معها متوترة.

لكن ذلك لا يعني أن واشنطن تخلت عن ملف حقوق الإنسان. فالخارجية الأمريكية كانت قد ربطت العقوبات السابقة بانتهاكات خطيرة خلال حرب تيجراي، كما أن الولايات المتحدة سبق أن أكدت أن قضايا حقوق الإنسان والإصلاح السياسي تظل ضمن مصالحها تجاه إريتريا..

وبالتالي، قد تتقاطع التحركات الأمريكية تجاه إريتريا وإثيوبيا  ضمن اتجاه أوسع لإعادة بناء شبكة علاقات وشراكات أمريكية في الشرق الأوسط والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، لكن من الأدق اعتبار كل ملف مسارًا مستقلًا له دوافعه الخاصة.

ومن المهم القول هنا إن  رفع العقوبات أن واشنطن لايعني  أصبحت حليفة لإريتريا، ولا أنه يضمن نجاح وساطة أمريكية بين أسمرا وأديس أبابا.

لكنه الأمر قد  انتقالًا مهمًا من سياسة العزلة إلى سياسة الانخراط، ويمنح الولايات المتحدة أدوات دبلوماسية جديدة في منطقة تتقاطع فيها أزمات إثيوبيا وإريتريا واليمن والسودان والصومال مع أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.

ويبدو أن السؤال خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط: لماذا رفعت واشنطن العقوبات؟ وإنما أيضًا: *كيف ستستخدم الانفتاح الجديد على أسمرا لإدارة التوازنات المتصاعدة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر؟

اترك تعليقا