دول الخليج تدعو إلى إعادة ضبط العلاقات مع إيران

ضرورة عملية لجميع الأطراف

بعد أشهر من الحرب التي كشفت هشاشة أمن الخليج وألحقت أضراراً كبيرة بحركة التجارة والطاقة، بدأت دول الخليج العربي تدفع باتجاه إعادة صياغة العلاقة مع إيران، بدلاً من العودة إلى منطق المواجهة المفتوحة.

وتبرز الإمارات وقطر في مقدمة الدول التي تدعو إلى التفكير في إطار إقليمي جديد للأمن، فيما بدأت السعودية أيضاً استكشاف إمكانية إبرام اتفاق عدم اعتداء مع طهران. وتأتي هذه التحركات في وقت أدت فيه الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى إعادة تقييم الحسابات الأمنية في المنطقة.

وقال رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إن الحرب كانت بمثابة «جرس إنذار» لدول الخليج، مؤكداً ضرورة أن تعمل دول المنطقة معاً بصورة أكثر مسؤولية وأن تحافظ على علاقات جيدة مع إيران.

ولم تعد القضية بالنسبة إلى دول الخليج مرتبطة فقط بالتهديد العسكري الإيراني، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بالسؤال الأوسع: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة ضمان أمن المنطقة إذا اندلع صراع جديد؟

فقد تعرضت منشآت ومصالح في الخليج لمخاطر مباشرة خلال الحرب، بينما اضطربت حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات التجارية للطاقة في العالم. وأصبحت دول الخليج أكثر إدراكاً لحقيقة أن أراضيها وموانئها ومنشآتها الاقتصادية يمكن أن تتأثر بأي مواجهة بين واشنطن وطهران، حتى إذا لم تكن طرفاً مباشراً فيها.

وقال أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، إن المنطقة بحاجة إلى حوار بين الدول العربية وإيران، بالتوازي مع الحوار بين طهران وواشنطن. وأضاف أن المفاوضات الأميركية الإيرانية لم تحقق تقدماً كافياً حتى الآن.

ويمثل الموقف الإماراتي تحولاً مهماً مقارنة بالمواقف الأكثر تشدداً التي اتخذتها أبوظبي في مراحل سابقة. فقد أصبحت المصالح الاقتصادية للإمارات أكثر ارتباطاً بالاستقرار الإقليمي، خصوصاً أن دبي وأبوظبي تعتمدان على التجارة والنقل والخدمات والاستثمار الدولي.

ولا تريد الإمارات أن تتحول أراضيها أو مياهها الإقليمية إلى ساحة جديدة للصراع. ولذلك أصبح خفض التصعيد جزءاً من حماية النمو الاقتصادي، وليس مجرد خيار دبلوماسي.

قطر بدورها تتحرك بطريقة مختلفة. فهي تحتفظ بقنوات اتصال مع إيران والولايات المتحدة في الوقت نفسه، وتحاول استخدام علاقاتها مع الطرفين للوساطة. وتمنحها هذه العلاقات دوراً دبلوماسياً مهماً في وقت تتراجع فيه قدرة القوى الخارجية على فرض ترتيبات أمنية مستقرة على المنطقة.

أما السعودية فتبدو أكثر اهتماماً بإقامة قواعد واضحة تمنع تكرار الصدام. وبعد سنوات من التنافس الحاد مع إيران، شهدت العلاقة بين الرياض وطهران خلال الفترة الأخيرة محاولات للتقارب والحوار. والآن تبرز فكرة اتفاق عدم الاعتداء باعتبارها وسيلة لتقليل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

لكن ذلك لا يعني أن دول الخليج تخلت عن علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة. فما زالت واشنطن الشريك الأمني الأهم لمعظم دول المنطقة، كما أن القدرات العسكرية الأميركية تظل جزءاً أساسياً من معادلة الردع الخليجية.

المشكلة أن الحرب الأخيرة أظهرت حدود الاعتماد على القوة الأميركية وحدها. فحتى مع وجود القوات والقواعد الأميركية، تستطيع أي مواجهة واسعة أن تعطل التجارة والطاقة وتعرض المدن والمنشآت الحيوية للخطر.

ومن هنا تتزايد فكرة أن أمن الخليج لا يمكن أن يبقى معتمداً بالكامل على ترتيبات خارجية، وأن دول المنطقة نفسها بحاجة إلى بناء آليات للحوار وإدارة الأزمات.

ولا تزال هناك عقبات كبيرة أمام هذا التصور. فالعلاقات بين إيران وبعض الدول العربية مثقلة بتاريخ طويل من الخلافات، كما أن الملفات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والصواريخ والنفوذ الإقليمي والجماعات المسلحة لا يمكن تجاوزها بمجرد عقد اجتماعات سياسية.

لكن الحرب أعطت دول الخليج حافزاً جديداً للبحث عن صيغة مختلفة. فبدلاً من انتظار أن تحدد القوى الكبرى شكل النظام الإقليمي، تحاول دول الخليج أن يكون لها دور أكبر في تحديد قواعده.

وفي حال نجحت هذه الجهود، فقد تشهد المنطقة انتقالاً تدريجياً من سياسة تقوم على الردع والمواجهة إلى نظام أمني أكثر اعتماداً على الحوار والاتفاقات الإقليمية. ولن يعني ذلك نهاية الخلافات بين إيران والدول العربية، لكنه قد يوفر آليات تمنع تحول كل خلاف إلى حرب.

وتبدو الرسالة الأساسية في الخليج واضحة: لا تستطيع دول المنطقة تغيير جغرافيا وجود إيران كقوة إقليمية، ولا تستطيع إيران تجاهل حقيقة أن أمنها مرتبط بجيرانها العرب. ولذلك فإن إقامة علاقة أكثر استقراراً، حتى مع استمرار الخلافات، قد تصبح ضرورة عملية لجميع الأطراف.

المصدر: فايننشال تايمز  /21 سبتمبر 2026

اترك تعليقا