أليس منكم رجل كمصعب؟

أشرف شعبان أبو أحمد، يكتب:

منذ عقود طويلة، خرجت جموع غفيرة من المسلمين من أوطانهم إلى بلدان شتى في أنحاء العالم، حتى غدت الهجرة واحدة من أبرز الظواهر التي ارتسم بها واقع الأمة الإسلامية، وقلَّ أن تجد دولة تخلو من وجودهم، قلَّ عددهم أم كثر.

وقد تعددت دوافع هذه الهجرة؛ فمنهم من غادر طلبًا للعمل وابتغاءً للرزق، واستجابةً لحاجة بعض الدول إلى الأيدي العاملة، ومنهم من شجعته التسهيلات التي أقرتها قوانين الهجرة في بعض البلدان، ومنهم من دفعتهم الحروب والصراعات والاضطهاد إلى الفرار واللجوء، سواء إلى دول الجوار أو إلى الدول الغربية ودول الأمريكتين، بحثًا عن الأمن والاستقرار.

وتبقى النيات هي الفارق بينهم؛ فلكل امرئ ما نوى، ولكل مهاجر من هجرته نصيب بقدر قصده ومراده.

ومهما تكن أسباب هذه الهجرة، فقد أصبح ملايين المسلمين يعيشون اليوم خارج أوطانهم الأصلية، وقد مضى على اغتراب الكثير منهم عشرات السنين، يحملون معهم عقيدتهم وقيمهم وهويتهم. وتتوافر لهم، بحكم وجودهم في تلك البلدان، فرص كبيرة للإسهام في المجتمعات التي استقروا فيها والتأثير في محيطهم، على الرغم مما يواجهونه من تحديات جسام، وما يعترضهم من صعوبات تفرضها طبيعة بعض المجتمعات المستضيفة أو مواقف بعض أفرادها، وهي تحديات لا تواجهها كثير من الجاليات الأخرى بالقدر نفسه.

وهنا تفرض عدة أسئلة نفسها:

هل كانت هذه الهجرات مجرد انتقال جغرافي من وطن إلى آخر، طلبًا للرزق أو الأمن، أو لكليهما معًا؟ أم كان ينبغي أن تحمل معها رسالة الإسلام إلى العالم؟

ولو حملها المهاجرون الجدد كما حملها المهاجرون الأوائل، أكان لها من الأثر في تغيير وجه العالم، كما كان لأسلافهم من قبل؟

وللإجابة عن هذا، نعود بالزمن إلى السنة الثانية عشرة من البعثة النبوية، حيث قدم إلى مكة اثنا عشر رجلًا من أهل يثرب، فبايعوا النبي عليه الصلاة والسلام فيما عُرف ببيعة العقبة الأولى.

وعلى أثر هذه البيعة، بعث النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى يثرب، ليعلم من أسلم منهم القرآن، ويفقههم في الدين، ويدعو غير المسلمين إلى الإسلام.

لقد كان مصعب بن عمير نموذجًا عمليًا للمهاجر الذي غادر موطنه، لا طلبًا لمال ولا ابتغاءً للأمن، وإنما حاملًا رسالة الإسلام إلى الناس.

وفي مدة قصيرة لم تتجاوز عامًا تقريبًا، استطاع أن ينشر الإسلام انتشارًا واسعًا بين الأوس والخزرج، حتى قيل: ما بقي بيت من بيوت الأنصار إلا دخله الإسلام أو ذُكر فيه.

وفي موسم الحج من العام التالي، وقعت بيعة العقبة الثانية، وفيها بايع النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين من أهل يثرب على النصرة والحماية.

وبعد هذه البيعة، أُذن للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، ثم هاجر هو عليه الصلاة والسلام بعدهم.

والذي مهَّد الطريق لهذه الهجرة، وهيَّأ المجتمع لاستقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين، بعد توفيق الله تعالى، هو مصعب بن عمير، بمعاونة الأنصار من الأوس والخزرج، حتى غدت يثرب دار الإسلام الأولى، ومنها انطلقت رسالة الإسلام إلى العالم.

ويُعد ما شهدته يثرب وتحقق فيها خلال عام واحد من أنجح الأعمال الدعوية في التاريخ؛ إذ تحولت من جماعة قليلة بايعت النبي عليه الصلاة والسلام في بيعة العقبة الأولى، إلى مجتمع مؤمن احتضن الدعوة وأقام الدولة الإسلامية بعد الهجرة.

ولهذا الإنجاز، استحق مصعب بن عمير أن يُلقب بأول سفير في الإسلام.

ومن قبل ذلك، وفي السنة الخامسة من البعثة النبوية، أذن النبي محمد عليه الصلاة والسلام للمسلمين بالهجرة إلى الحبشة فرارًا من اضطهاد قريش.

فلما أرسلت قريش وفدًا إلى النجاشي، ملك الحبشة، تطلب منه تسليم المهاجرين، وقف جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بين يديه، فقدم عرضًا بليغًا لحقيقة الإسلام ومبادئه، فكان لذلك أثر بالغ في اقتناع النجاشي بما سمعه من حق، فرفض تسليمهم إلى قريش، وأمَّن لهم الإقامة في الحبشة.

ولم يقتصر دور المهاجرين هناك على الاحتماء من أذى قريش، بل عاشوا بين أهل البلاد دعاة إلى الإسلام بأخلاقهم وسلوكهم، وتركوا أثرًا طيبًا في المجتمع الذي عاشوا فيه، وغدت هجرتهم شاهدًا على أن المسلم يحمل رسالته حيثما حل وارتحل.

وهذا يثير أسئلة أخرى، من أبرزها:

أفلا يوجد في جموع هؤلاء المهاجرين المنتشرين في شتى دول العالم من يسير على نهج مصعب بن عمير ويقتفي أثره؟

أفلم يبرز في كل قارة من قارات العالم من يجمع بين الهجرة والدعوة، فيغدو سفيرًا للإسلام، يحدث أثرًا في المجتمع الذي يعيش فيه؟

قد لا يغني الجهد الفردي عن الجهد الجماعي والعمل المؤسسي والاستثمار الأمثل للوسائل الحديثة، لكن الفرد الصادق المخلص، حسن الخلق، لين الجانب، إذا أحسن إعداد نفسه، واستثمر ما وهبه الله من قدرات ووسائل، ودعا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، مستفيدًا من جهود من سبقوه، قادر بإذن الله على أن يكون سببًا في هداية أعداد كبيرة من الناس، أو إحداث أثر عميق في نفوسهم ومجتمعاتهم.

ومن ثم، فإن نجاح الدعوات ليس وليد يوم وليلة، وإنما هو ثمرة عمل متواصل، وجهد تراكمي، وصبر طويل، قد يمتد سنوات، وربما عقودًا، تبعًا لاختلاف البيئات والظروف والعوامل المؤثرة.

وستظل البشرية جمعاء في حاجة إلى الهداية، وتصحيح المسار، وتقويم السلوك، مهما تعاقبت العصور وتبدلت الأحوال. وهذه الحاجة باقية ما دامت الحياة.

كما ستظل المبادئ التي أقام عليها النبي صلى الله عليه وسلم مجتمع المدينة صالحة لكل زمان ومكان، لا يعتريها التقادم، وإنما الذي يتغير هو وسائل تبليغها وأساليب تطبيقها، بما يلائم أحوال الناس ومتغيرات الحياة.

وستظل السنن الإلهية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، وإنما تجري وفق أسبابها، وتتكرر آثارها كلما توافرت مقوماتها وتهيأت ظروفها.

وأخيرًا، فإن كان بالأمس من غير المسلمين من يناصب المسلمين العداء وينظر إليهم بعين الكراهية والريبة، فإن مثل هذا العداء لم ينقطع، غير أن ما يزيد الأمر خطورة أن جانبًا من هذا العداء قد نكون نحن المسلمين قد أسهمنا في إذكائه، حين أسأنا تمثيل ديننا، وقصرنا في إظهار ما يدعو إليه من أخلاق وعدل ورحمة.

فاختلطت في أذهان كثير من الناس صورة الإسلام بتصرفات بعض المنتسبين إليه، حتى أصبح الخطأ الفردي يُحسب على الدين نفسه، فإذا ظهرت صورة سلبية منسوبة إلى فرد أو ثلة من المسلمين، فكرية كانت أو اجتماعية أو سياسية، أُلصقت بالإسلام وعُممت، وقُدمت وكأن الإسلام هو هذا الذي يدعو إليها، وكأن المسلمين جميعًا على هذا النحو.

وما يشاهدونه من صراعات دموية بين المسلمين أنفسهم، سواء داخل الدولة الواحدة أو بين دول مختلفة، يجعلهم يتساءلون: ما هذا الدين الذي يتصارع أتباعه فيما بينهم على أرض أو سلطة أو مورد؟

غافلين عن أن الصراعات بين البشر ظاهرة صاحبت التاريخ الإنساني، ولم تقتصر يومًا على أمة بعينها أو دين دون آخر، وأن هذه الصراعات لا تمثل هدى الإسلام، ولم يأمر بها، وإنما تمثل انحراف بعض المنتسبين إليه عن تعاليمه.

وعندما يرون بعض أغنياء المسلمين يعيشون في حالة من البذخ والترف، وفي المقابل يشاهدون معاناة كثير من المسلمين من الفقر المدقع، حيث يكابد بعضهم الجوع والمرض وسوء المعيشة، ويفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة، من مياه شرب نظيفة وصرف صحي ومساكن تقيهم برد الشتاء وحر الصيف، فإنهم يتساءلون:

ما هذا الدين الذي يحث أتباعه على التكافل والتراحم والتعاون بين أغنيائه وفقرائه، ولا يرون من ذلك في واقع المسلمين إلا صورًا محدودة لا ترقى إلى مستوى ما يدعو إليه هذا الدين؟

وعندما يرون بعض القيادات في الدول الإسلامية تقيم شراكات واسعة مع غير المسلمين في المجالات الاقتصادية والسياسية، بينما يظل التعاون بين المسلمين أنفسهم دون المستوى المنشود، فإنهم يتساءلون عن مدى تجسيد المسلمين لما يدعو إليه دينهم من تعاون وتآزر.

وهكذا، فقد أثرت هذه الأسباب وغيرها سلبًا في فاعلية العمل الدعوي، وحدَّت من جهود الدعاة، وأضعفت تقبل بعض غير المسلمين للإسلام.

ومع ذلك، لا ينقضي يوم إلا وتأتينا الأخبار من هنا ومن هناك عن دخول أفراد جدد في الإسلام، لتظل الهداية أولًا وأخيرًا بمشيئة الله، مهما تعاظمت التحديات وتعددت العوائق.

ولا يعفي هذا المسلمين من مسؤولياتهم في الدعوة إلى الإسلام، ولا يلغي حاجة عصرنا إلى أمثال مصعب بن عمير وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما؛ رجال يحملون رسالة الإسلام علمًا وخلقًا وسلوكًا، يعرفون الناس بحقيقة هذا الدين، ويجسدونها في واقعهم، فيكونون سببًا في هدايتهم إلى دين الطهر والتطهر، والاستقامة والبعد عن الفواحش، والصدق والعمل الصالح، والسعادة في الدنيا والآخرة.

كلمات مفتاحية:

اترك تعليقا