محمد بن سلمان في القاهرة.. ماذا يريد من مصر الآن؟
ماجدة القاضي
- dr-naga
- 18 سبتمبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- الرياض, السعودية, القاهرة, محمد بن سلمان في القاهرة, مصر
محمد بن سلمان لا يأتي إلى القاهرة بعد نجاح منظومة الردع السعودية، بل بعد أن اصطدمت حدودها بالواقع.
والمعلومة الأهم هنا ليست الهجمات الحوثية في حد ذاتها، وإنما ما فعلته الرياض بعدها.
ففي يوليو، كانت الرسالة السعودية إلى واشنطن أنها تستطيع التعامل مع الحوثيين بنفسها. وبعد أسابيع فقط تغير التقدير. وبحسب Axios، اتصل محمد بن سلمان بترامب مرتين في يوم واحد طالبًا الولايات المتحدة بتوجيه ضربات مباشرة إلى الحوثيين.
من «نستطيع التعامل معهم» إلى «نريد منكم ضربهم».
هذه المسافة القصيرة بين الموقفين ربما تكون أهم مفتاح لفهم ما يجري الآن.
فالقدرة السعودية الذاتية لم تمنع التصعيد، وعندما عادت الرياض إلى المظلة الأمريكية التقليدية، لم تحصل على ما طلبته. ترامب رفض التدخل العسكري المباشر، واكتفى بالدعم الاستخباراتي ومعلومات الاستهداف.
هنا ظهرت حدود الدائرة الأولى بوضوح: السعودية لا تريد خوض حرب مفتوحة وحدها، والولايات المتحدة لا تريد خوضها بدلًا منها.
أما الدائرة الثانية فكانت اتفاق مكة.
السعودية وتركيا وباكستان تملك مجتمعة قوة عسكرية ضخمة، لكن عندما جاء الاختبار الحوثي، أعلنت إسلام آباد أنه لا توجد مناقشات بشأن رد عسكري بموجب الاتفاق.
وهكذا بدا الفارق واضحًا بين امتلاك القوة وامتلاك قرار استخدامها.
لكن في الوقت نفسه كان هناك تحول آخر يجري حول السعودية نفسها.
الإمارات فتحت في اجتماعات بريكس قناة أكثر مباشرة مع إيران. لقاء ولي عهد أبوظبي خالد بن محمد مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حمل خطابًا واضحًا عن خفض التوتر والاستقرار، وتحدث بزشكيان بعده عن «وضع الماضي وراءنا والنظر إلى المستقبل».
المهم هنا ليس أن الإمارات عقدت تحالفًا مع إيران؛ فهذا لم يحدث.
المهم أن أبوظبي بدأت تتحرك في اتجاه بناء شبكة أمان خاصة بها مع طهران رغم كل ما سبق .
وعُمان تواصل التمسك بدور الوسيط.
وباكستان، عضو اتفاق مكة نفسه، تستخدم قنواتها مع إيران لنقل الرسائل واحتواء التصعيد أكثر مما تستخدم الاتفاق للرد العسكري.
أي أن السعودية لا تواجه فقط قصور أدوات الردع، بل أيضًا بيئة إقليمية تتحرك تدريجيًا نحو تفاهمات منفصلة مع إيران.
وعند هذه النقطة تحديدًا يتجه محمد بن سلمان إلى القاهرة.
وهنا يصبح اختزال الزيارة في احتمال دعوة مصر للانضمام إلى اتفاق مكة قراءة غير كافية.
فما الذي سيتغير بإضافة جيش رابع إذا كانت المشكلة التي كشفها الاختبار الأول ليست نقص القوة العسكرية، وإنما قرار استخدامها؟
السؤال الأهم هو: ماذا تستطيع مصر أن تقدم للسعودية الآن؟
الإجابة الأولى هي الجغرافيا.
السعودية تواجه ضغطًا عند طرفي مساراتها البحرية: هرمز شرقًا، وباب المندب غربًا. ومصر تقف عند الطرف الآخر من الممر الغربي.
ما يهدد باب المندب يهدد السعودية، لكنه يهدد قناة السويس أيضًا.
ومن هنا توجد مصلحة مصرية–سعودية مباشرة لا تحتاج إلى اتفاق دفاعي كي تنشأ: إبقاء البحر الأحمر مفتوحًا.
وتستطيع مصر أيضًا أن تساعد في تغيير تعريف الأزمة نفسها.
فبدل أن تبقى «السعودية في مواجهة الحوثيين»، يمكن أن تصبح القضية أمن باب المندب والبحر الأحمر وحرية الملاحة.
والفارق جوهري.
في الحالة الأولى يُطلب من مصر الدخول في مواجهة تخص السعودية واليمن.
وفي الثانية تتحرك القاهرة دفاعًا عن مصلحة مصرية مباشرة.
لكن قيمة مصر لا تتوقف عند البحر الأحمر.
هناك أيضًا السياسة.
القاهرة لم تكن بعيدة عن مسارات خفض التصعيد الأخيرة، وشاركت في البيئة الدبلوماسية التي سمحت بتقارب الموقفين الإيراني والإماراتي داخل بريكس.
وهذا يعني أن مصر لا تدخل هذه اللحظة فقط بوصفها دولة مطلة على البحر الأحمر، بل أيضًا بوصفها طرفًا يحتفظ بمساحة حركة مع أطراف مختلفة.
وهنا قد تكون القيمة الحقيقية للقاهرة بالنسبة إلى الرياض.
السعودية تحتاج إلى تحسين الردع، لكنها تحتاج أيضًا إلى مخرج من تصعيد مفتوح لا تعرف أين ينتهي.
وإذا كانت الإمارات قد بدأت بالفعل في بناء تفاهماتها الخاصة مع إيران، فإن الرياض لن تريد أن تجد نفسها تدخل أي مسار تفاوضي لاحق وهي وحدها أو من موقع أضعف.
من هنا تصبح مصر أكثر أهمية.
فهي تستطيع أن تمنح السعودية ثلاثة أشياء معًا: شراكة في أمن البحر الأحمر، وغطاءً عربيًا أوسع، ومساحة سياسية تسمح بفتح باب خفض التصعيد من دون أن يبدو الأمر تراجعًا منفردًا أمام إيران.
وهكذا نعود إلى نقطة البداية.
السعودية اختبرت قدرتها الذاتية وحدود المظلة الأمريكية.
واختبرت اتفاق مكة.
وفي الوقت نفسه بدأت بعض العواصم الإقليمية تبني قنواتها الخاصة مع طهران.
ثم جاءت القاهرة.
لذلك ربما لا يأتي محمد بن سلمان إلى مصر ليضيفها إلى منظومة الردع القائمة.
ربما يأتي لأن هذه المنظومة نفسها لم تعد كافية، ولأن البيئة المحيطة به بدأت هي الأخرى تتغير.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي:
هل يبحث محمد بن سلمان في القاهرة عن الخيار الرابع؟
خيار يجمع أمن البحر الأحمر مع خفض التصعيد، ويمنح السعودية ما لم تمنحه البدائل السابقة: قدرة أفضل على حماية مصالحها، وشريكًا عربيًا ثقيلًا، وطريقًا إلى التفاوض لا يبدو تراجعًا تحت الضغط.؟؟