أزمة الغاز تكشف هشاشة اقتصاد بنغلاديش
تعطل الإمدادات يكشف اعتمادًا متزايدًا على الخارج
- محمود الشاذلي
- 16 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أزمة الغاز, اقتصاد بنغلاديش, بنغلاديش
لم تعد أزمة الغاز في بنغلاديش مجرد مشكلة تتعلق بانقطاع الإمدادات، بعدما تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى اختبار أوسع لقدرة الاقتصاد على مواجهة ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق العالمية.
وأدى تعطل إحدى وحدتي الغاز الطبيعي المسال العائمتين إلى انخفاض الإمدادات للمصانع ومحطات الكهرباء، ما تسبب في ضغوط إضافية على القطاع الصناعي في وقت ارتفعت فيه تكلفة شراء الغاز من الأسواق الدولية.
ورغم إعلان الحكومة تحسن الإمدادات اعتبارًا من 15 سبتمبر، فإن مؤشرات الأزمة تكشف عن خلل هيكلي يتجاوز العطل الأخير، في ظل تراجع إنتاج الغاز المحلي وزيادة اعتماد البلاد على الواردات.
فاتورة مرتفعة
وتواجه دكا ارتفاعًا في فاتورة الطاقة نتيجة اضطراب الإمدادات العالمية واضطرارها إلى شراء الغاز بأسعار مرتفعة من السوق الفورية.
وحذر وزير الكهرباء والطاقة إقبال حسن محمود من أن زيادة أسعار الغاز الطبيعي المسال تنعكس مباشرة على النمو الصناعي، كما تزيد الضغوط المالية على الحكومة التي تتحمل جزءًا من التكلفة من خلال دعم الطاقة.
وأصبحت تلك المعادلة أكثر صعوبة مع اتساع الطلب على الكهرباء والغاز، في مقابل محدودية الإنتاج المحلي وعدم كفاية الاستثمارات السابقة في عمليات البحث والاستكشاف.
المصانع أول المتضررين
وكان القطاع الصناعي من أبرز المتضررين من الأزمة، بعدما اضطرت بعض المنشآت إلى خفض الإنتاج بسبب ضعف ضغط الغاز، بينما واجهت قطاعات أخرى صعوبات في الحفاظ على معدلات التشغيل المعتادة.
وأكد ممثلو قطاع الأعمال أن تداعيات الأزمة تجاوزت المصانع والتجارة لتصل إلى التوظيف والأسعار والنشاط الاقتصادي بصورة أوسع.
وعقد رئيس الوزراء طارق رحمن اجتماعًا مع ممثلين عن 21 منظمة تجارية لبحث الأزمة، في مؤشر على تصاعد القلق من انعكاس نقص الطاقة على النمو الاقتصادي.
إرث ثقيل
ويرى مسؤولون حكوميون أن المشكلة الحالية نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، حيث قال المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء مهدي أمين إن أزمة الطاقة تشكل إرثًا يعود إلى نحو 16 عامًا.
وتعمل الحكومة حاليًا على زيادة قدرات استقبال الغاز الطبيعي المسال، بالتوازي مع خطط للتوسع في الطاقة الشمسية وتنويع مصادر توليد الكهرباء.
لكن الاعتماد على المزيد من الغاز المستورد قد يخفف أزمة الإمدادات من دون أن يعالج مشكلة أمن الطاقة بصورة كاملة، إذ تظل الأسعار المحلية مرتبطة بتقلبات الأسواق الدولية.
خيارات صعبة أمام الحكومة
وتجد حكومة بنغلاديش نفسها بين خيارين مكلفين؛ فاستمرار الدعم الحكومي للطاقة يستهلك موارد مالية كبيرة، بينما يؤدي رفع الأسعار إلى زيادة تكلفة الصناعة والنقل والسلع.
وقد تتحول أزمة الطاقة في هذه الحالة إلى ضغوط تضخمية تؤثر بصورة أكبر في الأسر محدودة الدخل والطبقة العاملة.
ولهذا تبرز مطالب بإعادة هيكلة الدعم بحيث يصل إلى الفئات الأكثر احتياجًا، مع تحسين كفاءة شركات الطاقة وتقليل الفاقد وتطوير الشبكات.
رهان على الطاقة الشمسية
وتراهن دكا على زيادة دور الطاقة الشمسية في مزيج الكهرباء خلال السنوات المقبلة، إلى جانب إنشاء محطة عائمة ثالثة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال من المقرر ربطها بالشبكة بحلول ديسمبر 2027.
كما تدرس الحكومة مصادر أخرى للطاقة، لكن التحول إلى منظومة أكثر استدامة يتطلب استثمارات كبيرة وشبكة كهربائية أكثر قدرة على استيعاب مصادر الطاقة المتجددة.
وفي النهاية، تكشف أزمة الغاز عن نقطة ضعف أساسية في اقتصاد بنغلاديش؛ فكلما زاد اعتماد البلاد على الوقود المستورد، أصبحت الصناعة والموازنة والأسعار أكثر تأثرًا بالصدمات الخارجية.
ومن ثم، لن يكون نجاح الحكومة مرتبطًا فقط بإنهاء الانقطاعات الحالية، بل بقدرتها على بناء منظومة طاقة تقلل اعتماد الاقتصاد على الأسواق العالمية وتحمي النشاط الصناعي والمواطنين من أزمات مماثلة مستقبلًا.