بريكس تضع صورة الهند الدبلوماسية تحت المجهر

وسط موجة انتقادات على منصات التواصل الاجتماعي

تحولت قمة مجموعة بريكس المنعقدة في العاصمة الهندية نيودلهي إلى محور جدل واسع، بعدما أثارت تصرفات بعض المسؤولين، إلى جانب تداول صور غير حقيقية عبر منصات التواصل الاجتماعي، انتقادات بشأن مستوى الانضباط والبروتوكول المصاحب لحدث دبلوماسي دولي بارز.

ولم يقتصر الجدل على مضمون القمة ومخرجاتها السياسية والاقتصادية، بل امتد إلى الطريقة التي ظهر بها بعض المسؤولين الهنود خلال كلمات قادة الدول المشاركة، الأمر الذي فتح نقاشًا حول الصورة التي تقدمها الدولة المضيفة أمام الوفود الدولية والرأي العام العالمي.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة مستشار الأمن القومي الهندي أجيت دوفال وهو يتناول الطعام أثناء كلمة الرئيس الروسي، بينما ظهر المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية راندير جايسوال في مشاهد مماثلة خلال خطاب الرئيس الإيراني. وأثارت هذه المشاهد موجة انتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبرها مستخدمون خروجًا عن قواعد البروتوكول والاحترام المفترض خلال كلمات قادة الدول.

وبحسب ما أوردته خدمة كشمير الإعلامية، اتجهت الانتقادات إلى اعتبار هذه التصرفات أكثر من مجرد أخطاء فردية، إذ رأى منتقدون أنها انعكاس لطريقة إدارة الجانب الهندي للحدث، خصوصًا أن القمة تستضيف شخصيات سياسية بارزة وتمثل مناسبة لإبراز مكانة نيودلهي على الساحة الدولية.

وتزامن ذلك مع انتقادات أخرى طالت وزارة الخارجية الهندية، إذ قال الصحفي الهندي أشوك سوين إن الوزارة بدت منشغلة بقضايا داخلية وبالاحتفاء برئيس الوزراء ناريندرا مودي، بدلًا من التركيز على تحسين صورة الهند خلال مناسبة دبلوماسية بهذا الحجم.

ويأخذ هذا الجدل أهمية خاصة بالنسبة للهند التي تسعى خلال السنوات الأخيرة إلى تقديم نفسها باعتبارها قوة دولية صاعدة، وقادرة على لعب دور أكبر في إدارة الملفات الاقتصادية والسياسية العالمية. ولذلك فإن أي مشاهد مرتبطة بسلوك المسؤولين أو إدارة الفعاليات الدولية يمكن أن تتحول سريعًا إلى مادة للنقاش بشأن مدى جاهزية المؤسسات الهندية للتعامل مع موقعها المتنامي.

لكن الجانب الأكثر حساسية في القضية تمثل في الصور التي جرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالتزامن مع القمة، والتي أثارت شكوكًا بشأن استخدام محتوى مفبرك أو مولد بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة روايات سياسية.

ومن بين أكثر الصور إثارة للجدل صور ظهر فيها الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي وكأنه يشارك في فعاليات مرتبطة بالقمة، رغم وفاته في حادث تحطم مروحية في مايو/أيار 2024. وأثار انتشار هذه الصور تساؤلات واسعة حول آليات التحقق من المحتوى الرقمي، ودور الحسابات السياسية في إعادة نشر مواد مضللة.

ووفقًا للتقارير التي تناولت الواقعة، ارتبط جزء من المحتوى المتداول بحسابات وشخصيات محسوبة على حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم، وهو ما جعل القضية تتجاوز حدود خطأ تقني أو منشور مضلل على منصة اجتماعية، لتتحول إلى نقاش حول استخدام الصور المصطنعة في الخطاب السياسي.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة مع الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي التي باتت قادرة على إنتاج صور تبدو واقعية بدرجة كبيرة، ما يجعل التمييز بين الصور الحقيقية والمحتوى المصطنع أكثر صعوبة بالنسبة إلى المستخدم العادي.

ولا تتعلق المشكلة فقط بوجود صورة مفبركة، وإنما بالجهة التي تنشرها والسياق الذي تستخدم فيه. فعندما يرتبط المحتوى بحدث دولي كبير مثل قمة بريكس، فإن إعادة نشر صورة غير صحيحة يمكن أن تمنحها انتشارًا أكبر، خصوصًا إذا جاءت من حسابات سياسية أو شخصيات عامة تحظى بمتابعة واسعة.

ويرى منتقدون أن هذه الوقائع تضع الحكومة الهندية أمام تحدٍ مزدوج؛ الأول يتعلق بالحفاظ على الانضباط والبروتوكول خلال الاجتماعات الدولية، والثاني يتمثل في الحد من انتشار المعلومات المضللة التي يمكن أن تؤثر في صورة الدولة ومؤسساتها.

كما أن توقيت الجدل يضيف أهمية أخرى للقضية، فبريكس لم تعد مجرد تجمع اقتصادي للدول الناشئة، بل أصبحت منصة تسعى دول عديدة إلى تعزيز دورها داخل النظام الدولي المتغير. وبالتالي فإن استضافة الهند لقمة المجموعة تمنح نيودلهي فرصة لإظهار قدراتها التنظيمية والدبلوماسية، لكنها في الوقت نفسه تجعل أي إخفاق محل اهتمام دولي أكبر.

ومن الناحية السياسية، يمكن أن تستغل المعارضة والمنتقدون هذه الوقائع للتشكيك في خطاب الحكومة بشأن صعود الهند عالميًا، خاصة إذا تكررت حالات المحتوى المضلل أو التصرفات التي توصف بأنها غير ملائمة في مناسبات دولية.

وفي المقابل، لا يعني انتشار مقاطع أو صور مثيرة للجدل بالضرورة أن الصورة الكاملة للقمة قد تأثرت بصورة حاسمة، إذ تبقى نتائج الاجتماعات والاتفاقات ومواقف الدول المشاركة هي العامل الأهم في تقييم أي قمة دولية. إلا أن قوة وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الصورة والسلوك الشخصي للمسؤولين جزءًا متزايد الأهمية من الدبلوماسية الحديثة.

وتكشف واقعة قمة بريكس في النهاية عن تحول أوسع في طبيعة المنافسة على الصورة الدولية للدول. فالدبلوماسية لم تعد تُقاس فقط بما يحدث خلف أبواب قاعات الاجتماعات، وإنما بما يراه الجمهور في مقطع فيديو قصير أو صورة تنتشر خلال دقائق.

وبالنسبة للهند، فإن الجدل الذي رافق القمة يطرح سؤالًا يتجاوز تفاصيل الصور والمقاطع المتداولة: هل تستطيع نيودلهي مواكبة طموحاتها كقوة دولية صاعدة على مستوى البروتوكول والاتصال الرقمي وإدارة صورتها أمام العالم؟ الإجابة لن تحددها هذه القمة وحدها، لكنها ستتأثر بلا شك بقدرة المؤسسات الهندية على التعامل مع مثل هذه الوقائع ومنع تحول الأخطاء الرقمية والبروتوكولية إلى أزمات سياسية وإعلامية.

اترك تعليقا