الممرات البحرية تتحول إلى سلاح في حرب المنطقة

إثر هجمات الحوثيين على السعودية

لم تعد الحرب في المنطقة تدور على جبهات برية محددة، بعدما تحولت الممرات البحرية إلى ساحة رئيسية للصراع. فمع استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، دخل البحر الأحمر وباب المندب دائرة الخطر بقوة، إثر هجمات الحوثيين على السعودية وتقدمهم على الساحل الغربي لليمن، بالتزامن مع تعثر محاولات فتح حوار خليجي إيراني بشأن أمن الملاحة.

وبحسب رويترز، شن الحوثيون هجمات جديدة بالصواريخ والطائرات المسيرة على السعودية، واستهدفوا قاعدة عسكرية في خميس مشيط، بينما أصيب 13 مدنيًا وفق التحالف الذي تقوده الرياض. وتزامن التصعيد مع استمرار الجماعة في تعزيز مواقعها على الساحل الغربي واقترابها من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

المشهد الأكثر إثارة للقلق هو تزامن الضغط على هرمز مع اضطراب باب المندب. فإيران تفرض قيودًا شديدة على الحركة في هرمز، بينما يوسع الحوثيون نفوذهم قرب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهو ما يعني أن اثنين من أهم الطرق التي تمر عبرهما تجارة الطاقة العالمية أصبحا في قلب الصراع.

السعودية أمام ضغط مزدوج

بالنسبة إلى السعودية، تبدو الأزمة أكثر تعقيدًا من مجرد هجمات صاروخية. فقد تعرض خط أنابيب النفط الممتد من شرق المملكة إلى غربها لهجوم أدى إلى توقفه، في وقت أصبحت فيه طرق التصدير البحرية أكثر تعرضًا للمخاطر.

ووفقًا لـرويترز، صُمم خط «شرق-غرب»، البالغ طوله نحو 1200 كيلومتر، لتوفير طريق بديل للنفط بعيدًا عن مضيق هرمز. لكن تعطل الخط بالتزامن مع تهديد الملاحة في البحر الأحمر يقلص الخيارات المتاحة أمام الرياض.

وترى الجزيرة أن أهمية الخط السعودي تضاعفت بسبب الأزمة الحالية، إذ يمكن أن يتأثر جزء مهم من إمدادات النفط العالمية إذا استمر تعطله بالتزامن مع اضطراب هرمز، وهو ما يضع سوق الطاقة أمام احتمالات جديدة لارتفاع الأسعار.

ويرى جاك كينيدي، رئيس قسم مخاطر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة «إس آند بي غلوبال»، أن تقدم الحوثيين قرب المخا لا يعني بالضرورة توقف صادرات السعودية، لكنه يقلص قدرة المملكة على الاعتماد على طريق البحر الأحمر في لحظة شديدة الحساسية.

الحوثيون يوسعون أوراق الضغط

التحول الأخطر يتمثل في انتقال الحوثيين من الضغط على السفن إلى محاولة تثبيت وجود جغرافي حول باب المندب.

وبحسب معهد دراسة الحرب، فإن التحركات الحوثية الأخيرة تعزز قدرة الجماعة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر، وتمنحها ورقة إضافية في الصراع الإقليمي المرتبط بإيران والولايات المتحدة.

لكن هذا التوسع لا يعني بالضرورة أن الحوثيين قادرون على إغلاق باب المندب بالكامل، إذ يخضع الممر لحسابات عسكرية ودولية معقدة، وأي محاولة لإغلاقه بصورة كاملة قد تستدعي تدخلًا دوليًا أوسع.

ويرى توماس جونو، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة أوتاوا والباحث في الشأن الإيراني والحوثي، أن مكاسب الحوثيين الميدانية تمنحهم نفوذًا أكبر في أي مفاوضات مستقبلية، لكنه يؤكد أن الجماعة تمتلك حساباتها الخاصة ولا يمكن اختزال قراراتها في كونها مجرد أداة إيرانية.

واشنطن لا تريد حربًا جديدة

في واشنطن، تبدو الحسابات أكثر حذرًا. فإدارة دونالد ترمب تخوض مواجهة مباشرة مع إيران، ولا تريد أن تتحول الساحة اليمنية إلى جبهة أمريكية جديدة تستنزف القوات والموارد.

وبحسب رويترز، تقاوم الولايات المتحدة حتى الآن طلبات سعودية للتدخل العسكري المباشر ضد الحوثيين، وتكتفي بالدعم الاستخباراتي، فيما تواصل الرياض البحث عن وسائل لحماية أراضيها ومنشآتها النفطية.

وترى فايننشال تايمز أن التطورات تضع ترمب أمام معضلة صعبة؛ فاستمرار تقدم الحوثيين يهدد أمن السعودية ومصالح الطاقة، بينما يؤدي التدخل العسكري الأمريكي المباشر إلى توسيع نطاق الحرب.

ويكشف الموقف الأمريكي عن محاولة للموازنة بين حماية الحليف السعودي ومنع تحول المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة، خصوصًا أن أي عملية عسكرية واسعة ضد الحوثيين قد تدفع إيران وحلفاءها إلى الرد على مصالح أمريكية في المنطقة.

هرمز.. الدبلوماسية تتراجع

على الجانب الآخر، تلقى المسار الدبلوماسي ضربة جديدة بعد تأجيل اجتماع كان مقررًا بين إيران ودول خليجية في سلطنة عُمان لبحث ترتيبات الملاحة في هرمز.

وبحسب رويترز، أدى تأجيل الاجتماع إلى تراجع الآمال في تحقيق انفراجة سريعة، بينما قالت إيران إن التأجيل جاء بناء على طلب السعودية. وفي الوقت نفسه، واصل ترمب الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع طهران.

وتشير الشرق إلى استمرار الاتصالات الخليجية بهدف منع اتساع الحرب، لكن الخلافات بشأن شروط التفاوض وتوقيت الاجتماع تعكس صعوبة الوصول إلى تفاهم سريع.

المشكلة أن الدبلوماسية أصبحت مرتبطة مباشرة بالميدان؛ فكل هجوم جديد على السعودية أو سفينة في هرمز يضعف فرص التهدئة، بينما يمكن لأي انفراجة سياسية أن تتعرض للانهيار مع أول حادث أمني كبير.

ناقلة النفط تزيد الغموض

وزادت حادثة ناقلة النفط «إل جايا» من حالة الغموض في هرمز، بعدما ظهرت روايات متناقضة حول طبيعة الهجوم الذي تعرضت له.

ووفقًا لـرويترز، قال الحرس الثوري الإيراني إن الناقلة تعرضت لانفجار بعد اصطدامها بألغام، بينما قالت القيادة المركزية الأمريكية إن الرواية الإيرانية غير صحيحة وإن الناقلة كانت قد أصيبت بصاروخ إيراني في وقت سابق.

وأفادت المنظمة البحرية الدولية بتعرض الناقلة لأضرار وفقدان بحارين، بينما تحدثت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية عن تعرض سفينة لمقذوف داخل المضيق واندلاع حريق على متنها.

وتكشف الروايات المتضاربة عن مشكلة إضافية أمام شركات الشحن، وهي صعوبة الحصول على معلومات دقيقة وسريعة عن طبيعة المخاطر، وهو ما قد يدفع شركات التأمين والناقلات إلى زيادة تكاليف المرور أو تغيير المسارات.

النفط يدفع ثمن التصعيد

انعكست التطورات سريعًا على الأسواق. ووفقًا لـرويترز، ارتفعت أسعار النفط مع تجدد الهجمات على السعودية واستمرار اضطراب الملاحة، وسط مخاوف من اتساع تأثير الأزمة على الإمدادات العالمية.

وتقول بريانكا ساشديفا، المحللة في شركة «فيليب نوفا»، إن الأسواق باتت تراقب مدى استمرار الضغوط على النفط، بعدما تجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل.

كما يرى سوجين كيم، المحلل المقيم في دبي لدى بنك «إم يو إف جي»، أن تقدم الحوثيين نحو مناطق قريبة من باب المندب يزيد المخاوف المتعلقة بأمن الملاحة في البحر الأحمر.

ولا تقتصر التداعيات على سعر النفط، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وإجبار الناقلات على استخدام طرق أطول إلى زيادة تكلفة السلع والطاقة في الأسواق العالمية.

ماذا بعد؟

السيناريو الأول هو استمرار التصعيد المحدود، بحيث يواصل الحوثيون استهداف السعودية دون أن تدخل الولايات المتحدة مباشرة في الحرب. وفي هذه الحالة ستبقى أسواق النفط تحت ضغط، لكن من دون تحول الأزمة إلى مواجهة شاملة.

السيناريو الثاني هو تدخل أمريكي مباشر إذا تعرضت منشآت سعودية حيوية لهجمات كبيرة أو ارتفعت خسائر الملاحة الدولية. وقد يؤدي ذلك إلى تغيير قواعد الحرب ويدفع إيران إلى توسيع نطاق الرد.

أما السيناريو الثالث فهو العودة إلى التفاوض. فتأجيل اجتماع عُمان لا يعني بالضرورة انتهاء المسار الدبلوماسي، خصوصًا أن استمرار الحرب يرفع تكلفتها على جميع الأطراف.

ويرى توماس جونو أن أي تسوية لا تتعامل مع مصالح الحوثيين وحساباتهم الخاصة قد تبقى هشة، حتى إذا نجحت واشنطن وطهران في الوصول إلى تفاهم أوسع.

وفي المحصلة، أصبحت هرمز وباب المندب حلقتين في أزمة واحدة. فإذا بقي الأول مضطربًا والثاني مهددًا، فإن العالم لا يواجه مجرد حرب إقليمية، بل أزمة في طرق الطاقة والتجارة العالمية. والسؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط من يحقق مكاسب عسكرية، وإنما من يستطيع إبقاء الممرات البحرية مفتوحة وتحويلها من أدوات ضغط إلى مدخل لتسوية سياسية.

اترك تعليقا