قطر تبحث مع السعودية والكويت وعُمان خفض التصعيد في المنطقة

جهود مشتركة لحفظ الاستقرار الإقليمي

الرائد// بينما تشهد المنطقة إعادة ترتيب للأوراق السياسية والأمنية، فتحت قطر قنوات اتصال ساخنة مع جيرانها في الخليج—السعودية والكويت وسلطنة عُمان—في محاولة جماعية لمنع انزلاق الشرق الأوسط نحو مواجهة أوسع. هذا الحراك، الذي يركز على تفعيل الحلول السلمية والدبلوماسية، يعكس استشعار العواصم الخليجية للمخاطر التي تحدق بأمن الطاقة والملاحة، والسعي لوضع إطار توافقي يضمن استئناف مسارات الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية.

حيث بحث رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الأحد، مع وزراء خارجية السعودية وسلطنة عمان والكويت، جهود خفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية منفصلة أجراها آل ثاني مع نظرائه السعودي فيصل بن فرحان، والعماني بدر بن حمد البوسعيدي، والكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وفق 3 بيانات لوزارة الخارجية القطرية.

وجرت هذه المباحثات بعد ساعات من إعلان سلطنة عمان تأجيل اجتماع إقليمي بشأن مضيق هرمز بين إيران والدول المطلة على الخليج.

وأوضحت الخارجية القطرية أن الاتصالات استعرضت علاقات التعاون بين قطر وكل من البلدان الثلاثة، وسبل دعمها وتعزيزها، وآخر المستجدات الإقليمية، لاسيما الجهود الدبلوماسية المبذولة والتنسيق المشترك لخفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

وفي وقت سابق الأحد، قالت الخارجية العمانية في بيان لها إنه “تقرّر تأجيل الاجتماع الإقليمي الذي كان مقرّرا عقده يوم الاثنين في مدينة صلالة بسلطنة عُمان إلى موعد لاحق”.

وأرجعت الوزارة القرار إلى “الحرص على تهيئة الظروف الملائمة لحوار بنّاء يسهم في تحقيق تفاهمات مستدامة تدعم أمن المنطقة واستقرارها وتلبّي تطلعات شعوبها إلى التعاون والسلام”.

والسبت، أعلنت البحرين، في بيان لوزارة الخارجية، رفضها المشاركة في اجتماع وزاري إقليمي مقرر الاثنين في العاصمة العمانية مسقط لبحث الأوضاع في مضيق هرمز، مؤكدة أنها لن تشارك في أي اجتماع جماعي يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

تثبيت مسار دبلوماسي في الخليج

تحاول قطر تثبيت مسار دبلوماسي في الخليج بالتزامن مع التصعيد العسكري المتسارع حول السعودية واليمن وممرات الطاقة، في تحرك يأتي قبل اجتماع مرتقب لوزراء خارجية دول مجلس التعاون مع وزير الخارجية الإيراني في مدينة صلالة العُمانية لبحث ترتيبات مؤقتة تسمح باستمرار الملاحة عبر مضيق هرمز.

وفي تحرك قطري، أجرى رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني اتصالين منفصلين مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ووزير الخارجية الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وتركزت المحادثات على التطورات الإقليمية وسبل خفض التصعيد والتنسيق الدبلوماسي. وأكدت الدوحة دعمها لأي مسار يضمن حرية الملاحة ويمهد لاتفاق أوسع لتحقيق السلام والاستقرار.

وتأتي أهمية التحرك القطري من توقيته أكثر من حجمه؛ فالأزمة لم تعد محصورة في مضيق هرمز. ففي البحر الأحمر سيطر الحوثيون على جزيرة ميون الاستراتيجية عند مدخل باب المندب، بعد تقدمهم على الساحل اليمني والسيطرة على مدينة المخا، وهو ما يضيف نقطة ضغط جديدة على طرق التجارة والطاقة.

خط أنابيب الشرق والغرب السعودي

وفي الجهة المقابلة، أوقفت السعودية مؤقتاً خط أنابيب الشرق والغرب بعد تعرضه لهجوم بطائرات مسيرة، وهو الخط الذي يسمح للمملكة بنقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز. وتقول البيانات المنشورة إن الخط كان ينقل خلال الأشهر الأخيرة نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً، ما يجعل استهدافه أو تعطيله مسألة تتجاوز السعودية إلى سوق الطاقة العالمية.

وتكشف هذه التطورات عن معادلة جديدة لدول الخليج: حتى الدول التي لا تريد الانخراط مباشرة في الحرب أصبحت مضطرة إلى التعامل مع آثارها الاقتصادية والأمنية. فارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل قد يرفع الإيرادات النفطية، لكنه في الوقت نفسه يزيد تكاليف النقل والتأمين والاستيراد ويعيد الضغوط التضخمية إلى الاقتصادات العالمية.

وتحاول الدوحة، التي راكمت خلال السنوات الماضية خبرة في الوساطة بين أطراف متعارضة، الاستفادة من قدرتها على التواصل مع أطراف إقليمية ودولية مختلفة. غير أن الاختبار الحالي أصعب من أزمات الوساطة السابقة، لأن أمن الملاحة أصبح مرتبطاً مباشرة بالعمليات العسكرية، وليس بمجرد خلاف سياسي يمكن احتواؤه عبر البيانات والاتصالات.

الدور  العُماني

وتبرز عُمان في هذا السياق باعتبارها الطرف الذي يستضيف المحادثات الخليجية الإيرانية المرتقبة. وتتمثل الفكرة المطروحة في إنشاء ترتيبات مؤقتة للملاحة عبر هرمز، مع بقاء الملفات العسكرية والسياسية الكبرى موضع تفاوض منفصل.

لكن نجاح هذا المسار لن يتوقف على الموقف الخليجي وحده. فالسعودية طلبت مساعدة عسكرية من واشنطن في مواجهة الحوثيين، بينما تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة أبدت استعداداً لتقديم معلومات استخبارية ودعم في الاستهداف، لكنها لم توافق في الوقت الراهن على تدخل عسكري مباشر ضد الحوثيين.

وهنا تواجه قطر ودول الخليج معضلة دقيقة: الضغط على إيران قد يدفع إلى مزيد من التصعيد عبر البحر الأحمر، بينما تقديم تنازلات واسعة قد يُفهم باعتباره قبولاً بتغيير قواعد الأمن الإقليمي تحت ضغط القوة. ولذلك تبدو التسوية المؤقتة الخاصة بالملاحة أكثر قابلية للتحقق من اتفاق شامل ينهي الصراع دفعة واحدة.

المخاطر الاقتصادية

وتزداد المخاطر الاقتصادية إذا استمرت أزمة هرمز بالتزامن مع اضطراب باب المندب. فقد أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن إمدادات النفط الخام السعودية في أغسطس تراجعت إلى نحو 6 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى في أكثر من ثلاثة عقود وفق تقديراتها، مع خفض توقعاتها لإمدادات المملكة خلال 2026.

ومن الناحية التاريخية، يذكّر الوضع الحالي بأزمات الطاقة في السبعينيات، حين تحولت المواجهات السياسية في الشرق الأوسط إلى أزمة اقتصادية عالمية. لكن الفارق هذه المرة أن الخطر موزع على أكثر من نقطة اختناق بحرية، بينما تعتمد الاقتصادات الآسيوية والأوروبية بدرجات متفاوتة على تدفق الطاقة عبر الخليج والبحر الأحمر.

أما قطر، فتملك مصلحة مباشرة في منع تحول الأزمة إلى حرب طويلة؛ فهي دولة منتجة للطاقة ومرتبطة بشبكة تجارة واستثمارات عالمية، وأي اضطراب طويل في الملاحة يرفع كلفة النقل والتأمين ويهدد استقرار الأسواق، حتى لو استفادت بعض الدول مؤقتاً من ارتفاع أسعار الطاقة.

والسيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب هو استمرار الاتصالات الخليجية ـ الإيرانية بالتوازي مع التصعيد العسكري، في محاولة للفصل بين ملف الملاحة وملفات الحرب الأوسع. وإذا نجحت وساطة عُمان وقطر في تثبيت ممر آمن مؤقت للسفن، فقد يكون ذلك أول خطوة عملية لاحتواء الأزمة. أما استمرار الضغط العسكري في هرمز وباب المندب معاً، فسيجعل الأزمة أكبر من قدرة أي دولة خليجية منفردة على إدارتها.

المصادر:

وكالة الأنباء القطرية، 12 سبتمبر 2026.
وكالة الأناضول، 12 سبتمبر 2026.
فايننشال تايمز، 11 سبتمبر 2026.
رويترز، 12 سبتمبر 2026.
وكالة أسوشيتد برس، 11 سبتمبر 2026.
وكالة الطاقة الدولية، بيانات سبتمبر 2026 كما نقلتها رويترز.

اترك تعليقا