باكستان أمام اختبار تحالفها مع السعودية
بين المصالح الاقتصادية والضغوط السياسية
- dr-naga
- 12 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- اقتصاد باكستان, البحر الأحمر, الخليج, الخليج وإيران وتركيا, الرياض, السعودية, الضغوط السياسية, القوات الباكستانية, المصالح الاقتصادية, باكستان, دول الخليج
الرائد// وجدت باكستان نفسها خلال الساعات الأخيرة أمام أصعب اختبار لعلاقاتها الأمنية مع السعودية، بعدما تحول القتال بين القوات السعودية والحوثيين في اليمن إلى أزمة تهدد بوضع إسلام آباد أمام خيار أكثر صعوبة: الاستمرار في الوساطة بين الرياض وطهران، أم تنفيذ الالتزامات التي يفرضها تحالفها الدفاعي الجديد مع السعودية وتركيا.
وتأتي الأزمة بعد توقيع باكستان والسعودية وتركيا الشهر الماضي اتفاقاً دفاعياً ينص على اعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً. الاتفاق، الذي منح إسلام آباد ثقلاً أمنياً أكبر في الخليج، أصبح الآن أمام اختبار عملي مختلف عن الحسابات النظرية التي رافقت توقيعه.
وتشير معلومات نقلتها رويترز في 11 سبتمبر إلى وجود قوات باكستانية قرب الحدود السعودية ـ اليمنية، ما يعني أن إسلام آباد ليست مراقباً بعيداً للأزمة. وفي الوقت نفسه، تحاول الحكومة الباكستانية منع تحول وجودها العسكري إلى مشاركة مباشرة في الحرب، خصوصاً أن جيشها منشغل أيضاً بحدودها مع الهند وبتمردات مسلحة في مناطقها الغربية.
المعضلة الباكستانية أعمق من الجانب العسكري. فالاقتصاد الباكستاني يعتمد بدرجة كبيرة على علاقاته مع دول الخليج، وعلى الاستثمارات والتحويلات المالية، كما أن الاتفاقات الدفاعية مع السعودية ودول خليجية أخرى أصبحت جزءاً من محاولة إسلام آباد جذب رؤوس الأموال ودعم اقتصادها الذي عانى أزمات متكررة.
لكن باكستان تحتاج في الوقت نفسه إلى إبقاء علاقة قابلة للإدارة مع إيران. فالجغرافيا تجعل البلدين جارين، كما أن إسلام آباد تعتمد على طرق الطاقة والتجارة التي يمكن أن تتأثر إذا توسعت المواجهة في هرمز والبحر الأحمر. ولذلك فإن الانحياز العسكري الكامل إلى الرياض قد يفتح على باكستان جبهة سياسية وأمنية لا تحتاج إليها.
ولهذا تحركت إسلام آباد دبلوماسياً. ونقلت رويترز أن باكستان سلمت رسالة سعودية إلى إيران تطالبها بالضغط على الحوثيين لوقف التصعيد، كما أجرى قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير اتصالاً بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لبحث إعادة المسار الدبلوماسي وخفض التصعيد.
وهنا تظهر قيمة الوساطة الباكستانية، لكنها تواجه أيضاً مشكلة ثقة. ففرزانة شيخ، الباحثة المشاركة في «تشاتام هاوس»، شككت في قدرة إسلام آباد على لعب الدور الذي لعبته قطر وعُمان في أزمات سابقة، بينما يرى كامران بخاري، المحلل المتخصص في العلاقات الباكستانية ـ الإيرانية، أن قرب باكستان من الرياض وواشنطن قد يكون تحديداً سبباً في قبول طهران استقبال رسائل منها.
الفرق بين الرأيين مهم. فالدولة المحايدة تستطيع أحياناً نقل الرسائل، لكن الدولة المتحالفة عسكرياً مع أحد أطراف النزاع تواجه حدوداً لما يمكن أن تفعله من دون أن تفقد مصداقيتها لدى الطرف الآخر.
كما أن الأزمة تختبر الاتفاق الثلاثي مع تركيا. فأنقرة تراقب تطورات البحر الأحمر والخليج من زاوية أمنية واقتصادية أوسع، بينما تحاول باكستان تجنب توسيع الالتزامات العسكرية. وكانت إسلام آباد قد قلصت بالفعل نطاق مباحثات دفاعية مع الكويت، بعدما أبدت الأخيرة اهتماماً باتفاق أوسع شبيه بالترتيب السعودي، وفق المصادر التي تحدثت إليها رويترز.
وهذا يعكس حساباً باكستانياً واضحاً: الحصول على مكاسب اقتصادية وأمنية من الخليج من دون الدخول في شبكة التزامات قد تجعل الجيش الباكستاني مضطراً للتدخل في أكثر من ساحة في الوقت نفسه.
وتكتسب المسألة بعداً تاريخياً. فقد شاركت القوات الباكستانية في حماية السعودية في مراحل سابقة، لكن إسلام آباد تجنبت في 2015 الانضمام إلى الحملة العسكرية التي قادتها الرياض في اليمن بعد تصويت البرلمان الباكستاني لصالح الحياد. أما الوضع الحالي فيختلف لأن العلاقة الدفاعية أصبحت أكثر تنظيماً، ولأن القوات الباكستانية موجودة بالفعل في محيط الحدود السعودية.
وفي حال استمر الحوثيون في توسيع سيطرتهم على الساحل اليمني وممر باب المندب، فإن الضغط على باكستان سيزداد. فنجاح الحوثيين في السيطرة على مناطق وجزر استراتيجية عند باب المندب يهدد طريقاً تجارياً تستخدمه ناقلات وسفن متجهة بين آسيا وأوروبا، بالتزامن مع اضطراب مضيق هرمز. وقد حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من أن عودة الحرب تهدد بتحويل اليمن إلى جزء من مواجهة إقليمية أوسع.
وهنا قد تصبح باكستان إحدى الدول الأكثر تعرضاً للضغط. فدعم السعودية عسكرياً قد يضعها في مواجهة غير مباشرة مع إيران، بينما الابتعاد عن الرياض في لحظة عسكرية حساسة قد يضعف قيمة الاتفاق الدفاعي الذي وقعته حديثاً.
والسيناريو الأكثر احتمالاً في المدى القريب هو استمرار باكستان في سياسة «الوساطة المسلحة»: الحفاظ على وجودها الدفاعي حول السعودية، مع تجنب العمليات الهجومية، والاستمرار في إرسال رسائل إلى طهران والحوثيين. لكن إذا تعرضت الأراضي السعودية لهجمات واسعة أو أصيبت قوات باكستانية، فقد تصبح مساحة المناورة أضيق بكثير.
وبذلك لا تختبر الأزمة قدرة باكستان على الوساطة فقط، بل تختبر نموذجاً جديداً للتحالفات في العالم الإسلامي: هل تستطيع دولة ذات جيش كبير أن تكون في الوقت نفسه شريكاً أمنياً لطرف ووسيطاً لدى خصمه؟ الإجابة ستتحدد في اليمن خلال الأسابيع المقبلة، وقد يكون لها أثر طويل على موقع باكستان بين الخليج وإيران وتركيا.
المصادر:
رويترز، 11 سبتمبر 2026، حول الدور الباكستاني بين السعودية وإيران والحوثيين.
وكالة الأناضول، 11 سبتمبر 2026، حول تطورات اليمن والتحركات الدبلوماسية الإقليمية.
مجموعة الأزمات الدولية، تحليل حديث حول تطورات الصراع اليمني وموازين القوى.
الجزيرة، 11 سبتمبر 2026، حول توسع القتال وسيطرة الحوثيين على مواقع استراتيجية في البحر الأحمر.