تركيا توسع خياراتها بين الغرب والشرق

في وقت تحاول فيه أنقرة الحفاظ على عضويتها في حلف الناتو

الرائد// تتحرك تركيا في الأيام الأخيرة باتجاه توسيع هامشها الاستراتيجي بين الغرب وروسيا والصين، في وقت تحاول فيه أنقرة الحفاظ على عضويتها في حلف شمال الأطلسي وتعزيز علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع القوى الآسيوية.

قمة منظمة شنغهاي

وأعاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذا التوجه إلى الواجهة خلال عودته من قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قيرغيزستان، عندما قال إن بلاده لا تتجه إلى الابتعاد عن الغرب رغم سعيها إلى علاقات أعمق مع روسيا والصين. وأكد أن تركيا يمكن أن تبحث في المستقبل الانتقال إلى عضوية كاملة في منظمة شنغهاي للتعاون، التي تتمتع فيها حاليًا بوضع شريك للحوار.

التعاون التركي الروسي في مجال الطاقة النووية

وتكتسب تصريحات أردوغان أهمية أكبر لأنها تأتي بالتزامن مع توسيع التعاون التركي الروسي في مجال الطاقة النووية. فقد أعلن الرئيس التركي أن أنقرة تدرس إقامة مشروعات نووية إضافية بالتعاون مع روسيا، بعد مشروع محطة أكويو النووية الذي أصبح أحد أبرز مظاهر الشراكة الاقتصادية بين البلدين.

لكن المسار الشرقي لا يعني، وفق المعطيات الحالية، خروج تركيا من المنظومة الغربية. فعضوية أنقرة في الناتو منذ عام 1952 ما زالت تمثل عنصرًا أساسيًا في سياستها الدفاعية، كما أن الاقتصاد التركي يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة والاستثمار والأسواق الأوروبية.

عقوبات على بنك جولدن جلوبال للاستثمار التركي  

وفي المقابل، ظهرت خلال الأيام الماضية نقطة احتكاك مباشرة مع واشنطن. فقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في 4 سبتمبر عقوبات على بنك جولدن جلوبال للاستثمار التركي وشركتين تابعتين له، متهمة المؤسسات بتسهيل معاملات مالية مرتبطة بإيران، بينها تحويل عائدات نفطية إيرانية إلى أموال وذهب. البنك رفض الاتهامات وأعلن عزمه اتخاذ إجراءات قانونية. وتعد الخطوة لافتة لأنها تستهدف مؤسسة مالية في دولة عضو في الناتو ضمن حملة الضغط الأمريكية على إيران.

اقتصاديًا، تواجه أنقرة اختبارًا مختلفًا. فقد نما الاقتصاد التركي بنسبة 2.3 بالمئة على أساس سنوي في الربع الثاني من 2026، وهي نسبة جاءت دون توقعات بلغت 2.9 بالمئة. وانكمش الطلب المحلي ربع سنويًا بنسبة 1.3 بالمئة، بينما ساهم صافي الطلب الخارجي بنحو 0.6 نقطة مئوية في النمو. ووفق الخبير الاقتصادي هالوك بورومجكجي، فإن ضعف الطلب المحلي أصبح أكثر وضوحًا، وهو ما يعكس أثر السياسة النقدية المتشددة.

وتأتي هذه الأرقام قبل إعلان البرنامج الاقتصادي التركي الجديد في 7 سبتمبر، وهو ما يجعل السياسة الاقتصادية للحكومة موضع متابعة خاصة. فالسلطات تحاول خفض التضخم واستعادة الاستقرار النقدي من دون دفع الاقتصاد إلى تباطؤ حاد. وكان التضخم السنوي قد بلغ 31.75 بالمئة في يونيو، فيما أبقى البنك المركزي سعر الفائدة عند 37 بالمئة.

الخلفية التاريخية

منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، مرت السياسة الخارجية التركية بعدة مراحل. ففي السنوات الأولى كان الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي محورًا رئيسيًا، ثم توسعت أنقرة في علاقاتها مع الشرق الأوسط وروسيا وآسيا الوسطى، قبل أن تتعمق الخلافات مع عدد من العواصم الغربية بشأن سوريا وشراء منظومة إس-400 الروسية والعلاقات مع واشنطن.

وفي السنوات الأخيرة أصبح مفهوم “التوازن” أكثر وضوحًا في السياسة التركية. أنقرة لا تريد أن تتحول إلى تابع لأي محور، وفي الوقت نفسه لا تستطيع بسهولة التخلي عن العلاقات الغربية التي تشكل جزءًا مهمًا من تجارتها وأمنها وتمويل اقتصادها.

التقدير

الخطوة التركية الحالية تبدو أقرب إلى توسيع الخيارات منها إلى تغيير التحالفات. فأنقرة تستفيد من علاقتها مع روسيا في الطاقة، ومن علاقتها مع الصين في التجارة والاستثمار، ومن منظمة شنغهاي في توسيع حضورها الآسيوي، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى الأسواق الأوروبية والتكنولوجيا الغربية والتعاون الدفاعي داخل الناتو.

المشكلة الأساسية هي أن هامش المناورة التركي قد يضيق إذا تحولت المنافسة الأمريكية الروسية الصينية إلى مواجهة أكثر حدة. العقوبات الأمريكية الأخيرة على مؤسسة مالية تركية تقدم مثالًا عمليًا على أن سياسة التوازن يمكن أن تصبح أكثر تكلفة عندما تتعارض المصالح التركية مع العقوبات الأمريكية.

أما اقتصاديًا، فإن تباطؤ النمو مع استمرار التضخم المرتفع سيضع الحكومة أمام معادلة صعبة: استمرار التشدد النقدي قد يساعد في خفض التضخم لكنه يضغط على الطلب والاستثمار، بينما تخفيف السياسة النقدية مبكرًا قد يعيد الضغوط على الليرة والأسعار.

والاتجاه الأرجح خلال المرحلة المقبلة هو استمرار السياسة التركية متعددة المسارات: تعاون أعمق مع روسيا والصين وآسيا، مع الإبقاء على الناتو والعلاقات الأوروبية والأمريكية، بدل الانتقال الكامل من معسكر إلى آخر. لكن نجاح هذه السياسة سيعتمد بدرجة متزايدة على قدرة أنقرة على منع الخلافات الاقتصادية والأمنية مع واشنطن وبروكسل من التحول إلى صدامات استراتيجية.

المصادر: رويترز

أسوشيتد برس

بيانات وتصريحات مرتبطة بالحكومة التركية والبنك المركزي التركي كما أوردتها المصادر الدولية.

اترك تعليقا