لماذا تتجاهل بريطانيا عريضة اتهامها بجرائم الحرب في فلسطين؟
تواطؤ الصمت
- dr-naga
- 7 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- الاحتلال الإسرائيلي, البؤر الاستيطانية, بريطانيا, جرائم الحرب في فلسطين, فلسطين, ملفات الانتداب المنسية, وعد بلفور
الرائد//مر عام كامل دون صدور أي رد رسمي من الحكومة البريطانية على العريضة القانونية التاريخية التي قدمتها حملة “بريطانيا مدينة لفلسطين”. تتهم العريضة، التي سُلمت رسميًا في سبتمبر/أيلول 2025، المملكة المتحدة بارتكاب انتهاكات منهجية وجرائم حرب خلال فترة انتدابها واحتلالها لفلسطين بين عامي 1917 و1948.
حيث قدم مجموعة من الفلسطينيين عريضة قانونية إلى الحكومة البريطانية تطالب فيها المملكة المتحدة بتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية عما تصفه بـ”الانتهاكات المتسلسلة للقانون الدولي”، والتي تشمل جرائم حرب ارتُكبت إبان فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين بين عامي 1917 و1948.
وأوضحت صحيفة الجارديان البريطانية أن العريضة – التي صاغها محامون في مجال حقوق الإنسان – أكدت أن آثار تلك السياسات الاستعمارية ما تزال تنعكس حتى اليوم على الواقع الفلسطيني، وتدعو إلى اعتراف رسمي وتعويض عادل عن الأضرار التي لحقت بالشعب الفلسطيني نتيجة للدور البريطاني في تمهيد الطريق لما يعتبرونه مأساة مستمرة.
تفاصيل العريضة
وتُفصّل الوثيقة – التي تزيد على 400 صفحة – التي استغرق إعدادها سنوات – على أن بريطانيا فشلت بشكل غير قانوني في الاعتراف بدولة عربية في فلسطين، على الرغم من تعهدها بذلك في مراسلات مكماهون-حسين، وهي سلسلة من الرسائل المثيرة للجدل المتبادلة خلال الحرب العالمية الأولى.
وتحتوي علي أدلة دامغة على الإرث غير القانوني للمملكة المتحدة، ويشمل ذلك وعد بلفور لعام 1917، حيث عملت المملكة المتحدة كقوة احتلال خلال فترة الانتداب – وهي سلطة حكمت المنطقة دون أي أساس قانوني، كما تقول العريضة – وما تلا ذلك من “انتهاكات منهجية” بحق الشعب الفلسطيني.
وتشير العريضة إلى أن الشعب الفلسطيني يواجه أخطر أزمة يمر بها منذ عام 1948 وأن بريطانيا تتحمل مسؤوليتها الخاصة عنها، وبالتالي فهي مدينة له بدين خاص.
وتابعت الصحيفة أنه تم تقديم العريضة إلى الحكومة البريطانية يوم أمس /الأحد/ إيذانًا بإطلاق حملة بعنوان “بريطانيا مدينة لفلسطين”، التي تطالب باعتراف رسمي من المملكة المتحدة بمسؤوليتها عن ما تصفه بـ”قرن من القمع”، إلى جانب تقديم اعتذار وتعويضات.
وذكرت إن بريطانيا قمعت سكان فلسطين بشكل غير قانوني، وخاصة أثناء قمع الثورة العربية من 1936 إلى عام 1939، من خلال اعتماد شكل من أشكال الأحكام العرفية القانونية التي أخضعت الفلسطينيين لنمط من القتل والتعذيب والاضطهاد والاعتقال التعسفي وغيرها من الأعمال اللاإنسانية، مرتكبة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وذكرت أيضا إن بريطانيا تتحمل مسؤولية تدمير الأراضي الفلسطينية، وفشلها في حماية وتعزيز حقوق الشعب العربي الفلسطيني الأصلي عند انسحابها بينما لا تتناول العريضة الطعن في الاعتراف بإسرائيل بعد عام 1948 في القانون الدولي.
وقال بن إيمرسون، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، وأحد المحامين البارزين المكلفين بالقضية : “تُظهر هذه العريضة، بالإشارة إلى تحليل شامل للأدلة المعاصرة، مدى مسؤولية بريطانيا عن المعاناة الرهيبة في فلسطين، والتي يمكن إرجاعها إلى انتهاكات بريطانيا للقانون الدولي أثناء احتلالها وانسحابها اللاحق.
وتقسم العريضة الوجود البريطاني في فلسطين إلى ثلاث مراحل:
-الاحتلال العسكري.
-قمع المقاومة الفلسطينية
– الانسحاب والتقسيم.
وتحمّل لندن مسؤولية قانونية وسياسية عن ممارسات وقعت خلال المراحل الثلاث.لكن هذه الاتهامات تمثل الحجج التي يقدمها أصحاب العريضة، ولم تعلن الحكومة البريطانية حتى الآن قبولها أو رفضها، كما لم يصدر عنها رد تفصيلي يتناول الأدلة القانونية والتاريخية الواردة فيها.
المطالب في العريضة
*لا يطالب مقدمو العريضة باعتذار رمزي فقط، بل يدعون الحكومة إلى إجراء مراجعة رسمية لسجل بريطانيا في فلسطين، والبحث في المحفوظات الحكومية والإفراج عن الوثائق ذات الصلة، ثم إصدار رد علني ومفصل على الاتهامات.
*وتتضمن مطالبهم تقديم رئيس الوزراء اعتذارًا رسميًا أمام مجلس العموم، وفتح نقاش بشأن التعويضات وغيرها من أشكال جبر الضرر، إضافة إلى الاستثمار في مشروعات تخدم الفلسطينيين وتحفظ الذاكرة التاريخية لما وقع خلال فترة الحكم البريطاني.
وعند إطلاق الحملة في سبتمبر/أيلول 2025، قال القائمون عليها إن تجاهل العريضة قد يدفعهم إلى التفكير في اللجوء إلى القضاء وطلب مراجعة قضائية لطريقة تعامل الحكومة معها.
ولا يعني ذلك أن المحكمة حسمت صحة الاتهامات الواردة في العريضة أو ألزمت الحكومة بتقديم اعتذار، لكنه قد يفتح نزاعًا قانونيًا بشأن ما إذا كانت السلطات تعاملت بصورة قانونية ومنصفة مع طلب مدعوم بملف واسع من الأدلة.
تأييد سياسي وثقافي
تقول الحملة إن العريضة حصلت خلال العام الماضي على تأييد أكثر من 75 شخصية سياسية وثقافية وتجارية.ووقّع 45 نائبًا وعضوًا في مجلس اللوردات، من أحزاب مختلفة، رسالة مفتوحة تطالب الحكومة بالرد، من بينهم ليلى موران، أول نائبة بريطانية من أصول فلسطينية، والنائب العمالي السابق جون ماكدونيل، وريتشارد بيرغون، وزعيم الكتلة البرلمانية للحزب الوطني الاسكتلندي ستيفن فلين.
وانضم إليهم أكثر من 30 اسمًا من مجالات الثقافة والفن والأعمال، بينهم المغنية بالوما فيث، والممثلة جولييت ستيفنسون، والكاتب روبرت ماكفارلين، والفنان الكوميدي أليكسي سايل، ومؤسس شركة “إيكوتريسيتي” ديل فينس.
ويقول المؤيدون إن الاعتذار لا يتعلق بإعادة كتابة التاريخ أو تحميل البريطانيين الحاليين مسؤولية شخصية عما وقع قبل عقود، وإنما باعتراف الدولة بأفعال ارتكبتها مؤسساتها وقواتها حين كانت القوة الحاكمة في فلسطين.
من الحكم البريطاني الي التوسع الاستيطاني
تربط الحملة بين الممارسات التي وثقتها العريضة خلال الحكم البريطاني وبين ما يواجهه الفلسطينيون حاليًا من توسع استيطاني وهدم للمنازل واعتقالات وتهجير في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتقول إن هذه الممارسات لا تمثل قطيعة كاملة مع مرحلة الانتداب، بل امتدادًا لأنماط من نزع الأرض وحرمان الفلسطينيين من الحقوق السياسية بدأت في ظل الإدارة البريطانية ولم تعترف بها لندن رسميًا حتى اليوم.
وتأتي الذكرى في وقت تستعد فيه حكومة آندي بيرنهام لإعلان حزمة إجراءات ضد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، وسط حديث عن احتمال حظر تجارة السلع مع المستوطنات المقامة على الأراضي المحتلة.وترى الحملة أن اتخاذ إجراءات بشأن المستوطنات والاعتراف بدولة فلسطين يمثلان تطورين مهمين، لكنهما لا يغلقان ملف المسؤولية البريطانية عن المرحلة التي سبقت النكبة وقيام إسرائيل عام 1948.
قصة كل الأجيال
يتصدر العريضة رجل الأعمال والناشط الفلسطيني منيب المصري، البالغ من العمر 92 عامًا، والذي يقول إنه أصيب برصاص جنود بريطانيين عندما كان في الثالثة عشرة من عمره.وتقدم الحملة قصته بوصفها شهادة شخصية على العنف الذي تعرض له الفلسطينيون في السنوات الأخيرة من الحكم البريطاني.
وبعد أكثر من ستة عقود، أصيب حفيده منيب المصري الابن برصاصة في الظهر أطلقتها القوات الإسرائيلية خلال تظاهرة غير مسلحة عند الحدود اللبنانية في مايو/أيار 2011، ما أدى إلى إصابته بالشلل واستخدامه كرسيًا متحركًا، وفق روايته المنشورة في صحيفة “الغارديان”.
وتقول الحملة إن قصة الجد والحفيد تختصر استمرارية الضرر الذي بدأ تحت الإدارة البريطانية، ثم امتد عبر أجيال من دون اعتراف رسمي أو معالجة سياسية وقانونية كافية.
وبعد عام من تسليم العريضة، تطالب الحملة حكومة بيرنهام بالخروج عن الصمت وإصدار رد معلل على ما ورد فيها، معتبرة أن الاعتذار الرسمي ومناقشة سبل جبر الضرر يمثلان الحد الأدنى المطلوب إذا أرادت بريطانيا أداء دور ذي مصداقية في جهود السلام وإعادة إعمار فلسطين.ويبقى السؤال الذي تطرحه الذكرى الأولى: هل تستطيع بريطانيا مطالبة الآخرين باحترام القانون الدولي، من دون أن تجيب أولًا عن اتهامات تتعلق بسجلها هي في فلسطين؟