عُمان توسع ميناء “الدقم” وتحوّل اللوجستيات إلى محرك اقتصادي

بناء اقتصاد عماني متعدد المراكز

تتجه سلطنة عُمان إلى إعطاء قطاع النقل والخدمات اللوجستية دورًا أكبر في تنويع اقتصادها، مع تحركات جديدة في ميناء الدقم وربط الموانئ العُمانية بالأسواق الخليجية والآسيوية.

وأحدث المؤشرات جاءت في 5 سبتمبر، عندما وقعت شركة «أوكيو للطاقة البديلة» وشركة «أسياد» مذكرة شروط رئيسية لدراسة استخدام إنتاج مشروع الدقم من الهيدروجين الأخضر في عمليات النقل والخدمات اللوجستية، بما يشمل تطوير الخبرات التشغيلية المرتبطة بهذا القطاع.

ولا تبدو الخطوة منفصلة عن استراتيجية أوسع؛ فقد استقبل ميناء الدقم في 3 سبتمبر أول شحنة من مركبات «بي واي دي» الصينية، وعلى متن السفينة 1219 مركبة، خصص أكثر من 200 منها للسوق العُمانية، بينما توجهت بقية الشحنة إلى أسواق خليجية. ويعني ذلك أن الدقم لا يجري تطويره فقط كميناء لخدمة السوق المحلية، وإنما كمركز لإعادة التصدير والتوزيع الإقليمي.

وفي تطور آخر، ناقشت سلطنة عُمان وقطر خلال الأيام الأخيرة فرص التعاون التجاري والصناعي والاستثماري، بينما بحث وفد سعودي إمكانات الموانئ العُمانية في صحار والدقم وصلالة لتعزيز التكامل اللوجستي.

وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ضوء التغيرات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية. فالموانئ التي تستطيع استقبال البضائع، وإعادة تصديرها، وربطها بالطرق البرية والأسواق المجاورة، أصبحت عنصرًا أساسيًا في قرارات الشركات الدولية بشأن مواقع التخزين والتصنيع.

القدرة التنافسية و«رؤية عُمان 2040»

التحليل الاقتصادي العُماني الرسمي يضع تحسين القدرة التنافسية في قلب «رؤية عُمان 2040». وقد خصصت وزارة الاقتصاد اليوم الاثنين 7 سبتمبر لقاءً إعلاميًا بعنوان «نحو عُمان التنافسية»، لاستعراض الأداء التنافسي للسلطنة والمبادرات التي تستهدف تحسين موقعها على الخريطة الاقتصادية الدولية.

ويشير هذا الاتجاه إلى أن مسقط لا تتعامل مع اللوجستيات باعتبارها نشاطًا مكملًا للاقتصاد، وإنما باعتبارها قطاعًا يمكن أن يولد قيمة مضافة مستقلة من خلال الموانئ والنقل والتخزين وإعادة التصدير والخدمات المرتبطة بالتجارة.

وتظهر البيانات الرسمية لجهاز الإحصاء والمعلومات العُماني أن السلطنة تتابع بصورة منتظمة مؤشرات السياحة والتجارة والاستثمار والأمن الاقتصادي ضمن منظومة البيانات الوطنية، وهو ما يعكس اتساع نطاق قياس التحول الاقتصادي بعيدًا عن مؤشرات النفط وحدها.

الأهم أن عُمان تمتلك ميزة جغرافية مختلفة عن بعض دول الخليج؛ فميناء الدقم يطل مباشرة على بحر العرب وخارج المسار الضيق للخليج، وهو ما يمنحه أهمية إضافية للشركات التي تبحث عن مسارات بحرية بديلة ومراكز توزيع قريبة من الأسواق الخليجية.

الخلفية

خلال السنوات الماضية استثمرت السلطنة في صحار وصلالة والدقم، في محاولة لبناء شبكة موانئ متكاملة بدل الاعتماد على مصدر واحد للنمو. لكن التحدي كان دائمًا في تحويل البنية الأساسية إلى حجم تجارة واستثمارات مستدام.

وصول السيارات الصينية إلى الدقم وتوجهها إلى أسواق خليجية يقدم مثالًا عمليًا على النموذج الذي تسعى إليه مسقط: استقبال البضائع، ثم تخزينها أو تجميعها وإعادة تصديرها إلى دول أخرى.

وتزداد أهمية ذلك مع دخول الهيدروجين الأخضر في المعادلة. فإذا تمكنت السلطنة من استخدام جزء من إنتاج الطاقة النظيفة في النقل والموانئ نفسها، فإنها تستطيع الربط بين ثلاثة قطاعات في وقت واحد: الطاقة، والصناعة، والخدمات اللوجستية.

التوقعات

المسار العُماني يبدو أقرب إلى بناء اقتصاد متعدد المراكز منه إلى البحث عن قطاع واحد يحل محل النفط. وإذا نجحت مسقط في تحويل الدقم إلى مركز فعلي لإعادة التصدير والتصنيع والخدمات اللوجستية، فقد يصبح الميناء أحد أهم أدوات التنويع الاقتصادي خلال العقد المقبل.

لكن النجاح لن يعتمد على الميناء وحده. فالمنافسة قوية مع موانئ خليجية راسخة، ولذلك تحتاج عُمان إلى سرعة الإجراءات الجمركية، وربط بري وسككي فعال، وحوافز استثمارية، وخدمات مالية وتأمينية قادرة على جذب الشركات العالمية.

ومن هنا فإن خبر الدقم الأخير يتجاوز توقيع مذكرة أو استقبال شحنة سيارات؛ فهو يقدم اختبارًا عمليًا لمدى قدرة «رؤية عُمان 2040» على تحويل الموقع الجغرافي للسلطنة إلى ميزة اقتصادية قابلة للقياس.

*المصادر:
-وزارة الاقتصاد العُمانية، 7 سبتمبر 2026؛
-المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في سلطنة
-عُمان؛ «أثير»، 5 سبتمبر 2026؛ بيانات ومتابعات قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية العُماني.

اترك تعليقا