ألمانيا تواجه أزمة غاز جديدة قبل الشتاء
مخاوف أزمة الطاقة تعود للواجهه مجدداً
- dr-naga
- 4 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أزمة الطاقة في ألمانيا, أسعار الغاز في أوروبا, ألمانيا, الاقتصاد الألماني, الطاقة, الغاز
الرائد// تواجه ألمانيا ضغوطاً متزايدة بسبب انخفاض مخزونات الغاز مع دخول الخريف، في تطور يعيد إلى الواجهة مخاوف أزمة الطاقة التي هزت الاقتصاد الألماني بعد توقف إمدادات الغاز الروسي. وبلغت نسبة امتلاء منشآت التخزين نحو 53 بالمئة في الثالث من سبتمبر، مقابل متوسط يقارب 70 بالمئة في هذا التوقيت من السنوات السابقة، وفق بيانات الوكالة الاتحادية للشبكات. وتزداد المخاوف لأن الوصول إلى المستوى المستهدف البالغ 71 بالمئة بحلول الأول من نوفمبر يبدو صعباً للغاية.
المشكلة في أن ارتفاع أسعار الغاز جعل التخزين خلال أشهر الصيف أقل جاذبية اقتصادياً بالنسبة إلى الشركات، في وقت تحتاج فيه ألمانيا إلى بناء احتياطي كبير تحسباً لارتفاع الطلب خلال الشتاء. وترتبط الأسعار المرتفعة بالتوترات الجيوسياسية واضطراب أسواق الطاقة العالمية.
وتحذر رابطة مشغلي شبكات نقل الغاز الألمانية من صعوبة بلوغ المستوى القانوني المستهدف، فيما تطالب شركات الطاقة الحكومة بتوفير حوافز مالية لمساعدتها على ملء المخزونات. وترى شركة يونيبر أن نموذج التخزين الحالي لم يعد مربحاً في ظل الأسعار المرتفعة، وتدعو إلى إجراءات تشمل تخفيضات ضريبية وقروضاً داعمة.
وتحاول وزارة الاقتصاد الألمانية تهدئة المخاوف، مشيرة إلى تنوع مصادر الإمداد، ومنها الغاز القادم من النرويج والغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة. لكن الاعتماد المتزايد على الغاز المسال يطرح بدوره مشكلة، إذ إن الواردات منه لا تغطي سوى جزء محدود من احتياجات ألمانيا الشتوية.
وتأتي أزمة الطاقة المحتملة في لحظة حساسة للاقتصاد الألماني. فقد رفع معهد إيفو توقعاته للنمو إلى 1.4 بالمئة خلال 2026، بعدما كان يتوقع 0.8 بالمئة، مستنداً إلى تحسن الإنتاج الصناعي والطلبات الخارجية، إضافة إلى دفعة مالية حكومية تقارب 40 مليار يورو موجهة إلى البنية التحتية والمناخ والدفاع.
لكن المعهد يتوقع في الوقت نفسه تضخم الأسعار بنسبة 2.8 بالمئة هذا العام و3 بالمئة في 2027، بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، قبل أن يتراجع إلى 2.3 بالمئة في 2028. وهذا يعني أن أي ارتفاع جديد في أسعار الغاز يمكن أن يضعف الاستهلاك ويحد من أثر الإنفاق الحكومي على النمو.
وهنا تظهر المفارقة: ألمانيا بدأت أخيراً تسجيل مؤشرات أفضل للنمو، لكنها تدخل مرحلة التعافي وهي أكثر تعرضاً لصدمات الطاقة مما كانت عليه قبل أزمة 2022. فقد تغيرت بنية إمداداتها جذرياً بعد فقدان الغاز الروسي الرخيص، وأصبح الاقتصاد يعتمد على مزيج أكثر تنوعاً لكنه أعلى تكلفة وأكثر حساسية للأسواق العالمية.
وتحذر التطورات الحالية أيضاً من أن مشكلة الطاقة الألمانية لم تعد مرتبطة فقط بمصدر واحد للإمداد، وإنما أصبحت مرتبطة بالقدرة على شراء الطاقة وتخزينها بأسعار مقبولة. فإذا بقيت الأسعار مرتفعة، قد تجد الشركات نفسها أمام خيار صعب بين تحمل تكلفة التخزين أو مواجهة مخاطر أكبر خلال الشتاء.
وتأتي هذه الضغوط في وقت يحاول فيه المستشار فريدريش ميرتس إعادة تنشيط الاقتصاد من خلال الإنفاق على البنية التحتية والدفاع والتحول الصناعي. غير أن ارتفاع فاتورة الطاقة قد يمتص جزءاً من المكاسب التي تحققها هذه السياسة.
ومن الناحية السياسية، يمكن أن تتحول أزمة الطاقة إلى قضية انتخابية مهمة، خصوصاً في الولايات الشرقية. وتظهر أحدث المؤشرات في ساكسونيا أنهالت أن حزب البديل من أجل ألمانيا يتقدم بأكثر من 40 بالمئة في استطلاعات الرأي، بفارق كبير عن الاتحاد الديمقراطي المسيحي. ويربط تحليل رويترز بين قوة الحزب وبين الاستياء من حكومة ميرتس وارتفاع الضغوط المعيشية.
ويزيد ذلك حساسية ملف الطاقة؛ لأن ارتفاع تكاليف التدفئة والكهرباء لا يؤثر فقط في الصناعة، وإنما يصل مباشرة إلى الأسر، ويغذي الشعور بأن الحكومة غير قادرة على حماية مستوى المعيشة.
وفي المقابل، توجد مؤشرات إيجابية يمكن أن تمنع تكرار أزمة 2022 بالحجم نفسه. فألمانيا لم تعد تعتمد على خط أنابيب روسي واحد، كما توسعت مصادر الاستيراد، وارتفعت قدرة البلاد على استقبال الغاز الطبيعي المسال. لكن انخفاض المخزونات في بداية سبتمبر يظل إنذاراً بأن تنويع المصادر لا يلغي مشكلة الأسعار ولا يلغي الحاجة إلى احتياطيات كافية.
التوقع الأقرب أن تحاول الحكومة وشركات الطاقة تسريع عمليات التخزين خلال الأسابيع المقبلة، مع زيادة الاعتماد على الواردات إذا بقيت الأسعار مرتفعة. وسيكون الطقس عاملاً حاسماً؛ فشتاء معتدل قد يسمح بتجاوز النقص من دون أزمة كبيرة، بينما يمكن لشتاء بارد وطويل أن يضغط سريعاً على المخزونات والأسعار.
والأهم أن هذه الأزمة تأتي في وقت تسعى فيه ألمانيا إلى استعادة مكانتها الصناعية. فإذا أصبحت الطاقة مجدداً أكثر تكلفة وأقل استقراراً، فقد يتعرض التعافي الصناعي لضربة جديدة، خصوصاً في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
لذلك فإن اختبار ألمانيا خلال الشتاء المقبل لن يكون اختباراً لقدرتها على تأمين الغاز فقط، بل اختباراً لنموذجها الاقتصادي الجديد: هل تستطيع المحافظة على الصناعة والنمو والاستثمار في ظل طاقة أغلى، أم أن أزمة الطاقة ستعيد فتح الجرح الذي لم يلتئم بالكامل منذ 2022؟
المصادر: رويترز، 3 سبتمبر 2026.
الوكالة الاتحادية للشبكات في ألمانيا.
معهد إيفو للاقتصاد، 3 سبتمبر 2026؛ لوموند، 4 سبتمبر 2026.