أذربيجان تعزز الاتصال بين تركيا وآسيا الوسطى
موانئ وسكك حديدية تعزز الدور الاستراتيجي
- معاذ علي
- 4 سبتمبر، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- آسيا الوسطى, أذربيجان, أوروبا, اخبار تركيا, اقتصاد, السكك الحديدية
تسعى “أذربيجان” إلى ترسيخ موقعها كحلقة وصل رئيسية بين “تركيا” وطآسيا الوسطى”، مستفيدة من موقعها على بحر” قزوين” ومن تصاعد أهمية طرق التجارة التي تربط” الصين” ب” آسيا الوسطى” و” القوقاز” و” تركيا” و “أوروبا”.
ويأتي ذلك في وقت تتسارع فيه مشاريع النقل واللوجستيات العابرة للحدود، بما يعزز مكانة “باكو” في شبكة الممرات التي تعيد رسم خريطة التجارة بين الشرق والغرب.
الممر الأوسط يعيد رسم الخريطة..
تكتسب هذه التحركات أهمية أكبر مع تنامي دور منظمة الدول التركية، التي تضم “أذربيجان” و”تركيا” و”كازاخستان” و”قيرغيزستان” و”أوزبكستان” كأعضاء، فيما تتمتع “المجر” و”تركمانستان” و”قبرص التركية” ومنظمة التعاون الاقتصادي بصفة مراقب.
وتركز المنظمة على تعزيز التعاون الشامل بين الدول الأعضاء، مع مجالات تشمل الاقتصاد والجمارك والنقل والطاقة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وغيرها.
وتبرز” أذربيجان” داخل هذه المنظومة بفضل موقعها الجغرافي، إذ يمر عبر أراضيها جزء أساسي من الممر الأوسط، المعروف رسمياً باسم طريق النقل الدولي العابر ل”قزوين”.
ويربط هذا المسار “الصين” و”أوروبا” عبر “كازاخستان” و”بحر قزوين” و”أذربيجان” و”جورجيا”، ثم “تركيا” أو موانئ “البحر الأسود”.
ويُعد الممر بديلاً عن الطريق الشمالي الذي يمر عبر “روسيا”، كما يمنح دول المنطقة مساراً إضافياً لتنويع حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
ويمثل ميناء التجارة الدولي في “ألات”، إلى جانب خط سكة حديد” باكو–تبليسي–قارص”، أحد أبرز عناصر البنية التحتية التي تدعم الدور الأذربيجاني.
وتعمل “باكو” على رفع قدرات هذه المنظومة، فيما تتوقع السلطات أن تصل طاقة ميناء “ألات” إلى 25 مليون طن سنوياً خلال السنوات المقبلة.
كما زادت حركة الشحن عبر الممر الأوسط بنحو 90% منذ عام 2022، وفق تصريحات الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف.
ولا يقتصر الرهان الأذربيجاني على العبور، بل يمتد إلى تحويل البلاد إلى مركز للنقل والخدمات اللوجستية والتجارة بين الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وتدعم تقديرات البنك الدولي هذا الاتجاه، إذ يرى أن الممر الأوسط قادر، مع الاستثمارات والإصلاحات المناسبة، على مضاعفة كفاءة النقل وزيادة أحجام الشحن بصورة كبيرة بحلول 2030.
شبكة مصالح تتجاوز التحالفات..
يتقاطع صعود “أذربيجان” اللوجستي مع توجه “تركيا” لتعزيز اتصالها ب”آسيا الوسطى”، فيما تسعى دول المنطقة نفسها إلى تنويع طرق التجارة وشركائها وعدم الارتهان لمسار واحد.
وتمنح هذه المعادلة باكو مساحة للتحرك في أكثر من اتجاه، فهي ترتبط ب”تركيا” بعلاقات تحالف قوية، وتتعاون مع “كازاخستان” ودول “آسيا الوسطى” في الممر الأوسط، وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات اقتصادية وطاقة ونقل مع أطراف إقليمية ودولية أخرى.
وتظهر هذه السياسة في تطور التعاون الأذربيجاني مع الصين أيضاً؛ فقد وقعت “باكو وبكين” اتفاقات تستهدف دعم النقل واللوجستيات وتطوير الممر الأوسط، بينما تتزايد الشحنات الصينية المتجهة إلى “أذربيجان” عبر هذا المسار.
كما أعلنت “أذربيجان” و”كازاخستان” و “جورجيا” خطوات لتقليص الاختناقات على الطريق وتعزيز التنسيق بين شبكات السكك الحديدية والموانئ.
وفي الوقت نفسه، يمثل مشروع الربط عبر ناختشيفان عاملاً إضافياً في الحسابات المستقبلية.
فقد بدأت “تركيا” في تطوير خط سكة حديد “قارص–ناختشيفان”، فيما تتقدم أعمال خط “هورادیز–أغبند” في “أذربيجان”، بما قد يفتح فرعاً جديداً للممر الأوسط ويعزز الاتصال المباشر بين “تركيا” و”أذربيجان”.
وتقول باكو إن هذه المشروعات يمكن أن تضيف طاقة نقل تصل إلى 15 مليون طن سنوياً في المرحلة الأولى.
لكن توسع الدور الأذربيجاني لا يعني تحول منظمة الدول التركية إلى كتلة سياسية أو عسكرية موحدة.
فالأعضاء يحتفظون بسياسات خارجية ومصالح مختلفة، فيما تواصل دول “آسيا الوسطى” سياسة متعددة الاتجاهات في علاقاتها مع “روسيا” و”الصين” و”تركيا” و”الغرب”.
لذلك تبدو التجارة والنقل والطاقة والرقمنة مجالات أكثر واقعية لتعميق التكامل من إنشاء تحالف سياسي مغلق.
ومن المرجح أن يتجه المسار خلال السنوات المقبلة إلى مزيد من الاستثمار في السكك الحديدية والموانئ والطرق والخدمات اللوجستية والبنية الرقمية.
وإذا واصلت حركة التجارة عبر الممر الأوسط نموها، فإن “أذربيجان” ستزداد أهمية بالنسبة إلى “تركيا” و”آسيا الوسطى” و”الصين” و”أوروبا” في آن واحد.
وهنا تكمن أهمية النموذج الأذربيجاني: فبدلاً من الانضمام إلى محور واحد، تعمل “باكو” على بناء شبكة من المصالح والممرات تجعل موقعها الجغرافي أصلاً اقتصادياً وجيوسياسياً، وتضعها في قلب الاتصال المتنامي بين” تركيا” و” آسيا الوسطى” والأسواق الأوروبية والآسيوية.