سوريا تبدأ تفكيك إرث الأسد الكيميائي بإشراف دولي

لإغلاق واحد من أكبر ملفات النظام السابق أمام المجتمع الدولي

الرائد// بدأت سوريا اليوم 3 سبتمبر 2026 عملية تدمير بقايا برنامج الأسلحة الكيميائية الذي أنشأه نظام بشار الأسد، في تطور يمثل أول عملية تدمير موثقة لهذا النوع من الأسلحة داخل البلاد منذ أكثر من عقد، ويمنح السلطات السورية الجديدة فرصة لإغلاق واحد من أكثر ملفات النظام السابق حساسية أمام المجتمع الدولي. وأكدت الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن المنظمة تحققت من تدمير ذخائر كيميائية سورية للمرة الأولى منذ عام 2014.

وقالت إيزومي ناكاميتسو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والممثلة السامية لشؤون نزع السلاح، أمام مجلس الأمن إن المنظمة تحققت من تدمير 42 قنبلة جوية، إضافة إلى منشآت ومواد مرتبطة بالبرنامج الكيميائي السابق. وأكد المبعوث السوري لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي أن دمشق بدأت فعلياً التخلص من المواد التي عُثر عليها خلال عمليات البحث الأخيرة.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أعلنت في مايو الماضي العثور على كميات كبيرة من الأسلحة والمواد الكيميائية غير المعلنة، بينها ذخائر من الأنواع نفسها التي ارتبطت بهجمات كيميائية سابقة في سوريا، إلى جانب آلاف الصفحات من الوثائق المتعلقة بالبرنامج.

ويشير ذلك إلى أن الملف الذي ورثته الحكومة السورية الجديدة أكبر من مجرد مخزونات متبقية. فالمنظمة قالت إنها درست أكثر من 100 موقع محتمل له صلة بالبرنامج الكيميائي، بينما تركزت العمليات الأولى على مناطق ضمن المثلث الجغرافي بين حماة وحمص واللاذقية.

وتأتي العملية في ظل تغير جوهري في موقف دمشق من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. ففي يوليو الماضي أعاد المجلس التنفيذي للمنظمة حقوق سوريا وامتيازاتها التي كانت قد عُلقت عام 2021 بسبب عدم إعلان حكومة الأسد السابق كامل برنامجها الكيميائي واستخدام هذه الأسلحة. وأكدت المنظمة أن السلطات السورية الحالية قدمت تعاوناً عملياً وسمحت بعمليات التحقق والوصول إلى المواقع.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التطور. فالتعاون مع المنظمة لا يتعلق فقط بالتخلص من الأسلحة، بل بإعادة بناء الثقة بين سوريا والمؤسسات الدولية بعد سنوات اتسمت بالتضارب والاتهامات وإخفاء المعلومات.

ويقول معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية إن عملية تفكيك الإرث الكيميائي السوري تواجه عقبات كبيرة، بينها الألغام والذخائر غير المنفجرة الموجودة حول بعض المواقع، وعدم الاستقرار الداخلي، واحتمال وصول جماعات مسلحة إلى مواد خطرة. ويرى المعهد أن عملية التخلص من هذه الترسانة يجب أن تسير بالتوازي مع إجراءات لمنع انتشار المواد الكيميائية إلى جهات غير حكومية.

وهذا يجعل عملية التدمير الحالية أكثر تعقيداً من مجرد نقل ذخائر إلى موقع للتخلص منها. فبعض المواقع قد تكون ملوثة أو محاطة بمواد متفجرة، وبعض المواد المكتشفة لا تزال بحاجة إلى تحليل فني قبل تحديد الطريقة الآمنة للتعامل معها.

كما أن الملف يحمل بعداً قضائياً. فقد أبلغت السلطات السورية مجلس الأمن بأنها تستعد لمحاكمات بحق 18 شخصاً يُشتبه في تورطهم في البرنامج الكيميائي خلال عهد الأسد، بينهم مسؤولون رفيعو المستوى.

وهذه النقطة يمكن أن تكون أكثر حساسية من عملية التدمير نفسها. فالمجتمع الدولي لا يريد فقط التخلص من الأسلحة، وإنما يريد أيضاً معرفة كيفية تطويرها واستخدامها ومن أصدر الأوامر ومن نفذها.

وقالت السفيرة البريطانية لدى الأمم المتحدة كيت فوستر اليوم إن التقدم السوري في تفكيك البرنامج يستحق الدعم، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة أن يترافق التخلص من الأسلحة مع المساءلة عن الهجمات السابقة، مؤكدة استمرار بلادها في دعم آليات التحقيق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية. كما أعلنت بريطانيا تقديم نحو 9.5 مليون دولار إضافية لجهود التدمير التي تقودها سوريا.

ويضع هذا الموقف دمشق أمام معادلة دقيقة. فالتعاون الكامل مع المنظمة يمكن أن يساعدها في استعادة الثقة الدولية وفتح صفحة مختلفة عن عهد الأسد، لكنه يعني أيضاً قبول عملية توثيق قد تكشف المزيد من تفاصيل البرنامج السابق ومسؤولية شخصيات كانت جزءاً من مؤسسات الدولة.

وتاريخياً، انضمت سوريا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 2013، لكن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية خلصت لاحقاً إلى أن حكومة الأسد لم تعلن بصورة كاملة عن برنامجها، كما وثقت المنظمة استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا من جانب قوات النظام السابق وتنظيم الدولة الإسلامية.

وفي يناير 2026، خلص تحقيق للمنظمة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات الجوية السورية كانت مسؤولة عن هجوم كيميائي في كفر زيتا عام 2016، وهو ما أظهر أن ملف المسؤولية لم يعد مقتصراً على تحديد أماكن الأسلحة وإنما امتد إلى تحديد المسؤولين عن استخدامها.

لذلك فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً مزدوجاً للسلطات السورية: الأول تقني، ويتمثل في العثور على كامل المخزونات والمنشآت والمواد وتدميرها بصورة قابلة للتحقق؛ والثاني سياسي وقضائي، ويتمثل في التعامل مع إرث المسؤولية عن الهجمات السابقة.

والنجاح في المسار الأول قد يمنح سوريا الجديدة مكسباً دولياً مهماً، خصوصاً أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية نفسها بدأت تتعامل مع دمشق باعتبارها شريكاً في تنفيذ الالتزامات الدولية بدلاً من كونها طرفاً يعرقل عمليات التحقق.

لكن الطريق إلى إغلاق الملف لا يزال طويلاً. فوجود أكثر من 100 موقع محتمل يعني أن عملية البحث قد تستمر لفترة طويلة، كما أن العثور على ذخائر ووثائق جديدة قد يوسع نطاق التحقيق بدلاً من تقليصه.

والسيناريو الأكثر إيجابية هو أن تتحول عملية التدمير إلى نموذج لتعاون سوري دولي أوسع في ملفات حساسة أخرى، وأن تستخدم دمشق هذا التعاون لإثبات اختلافها المؤسسي عن النظام السابق.

أما الخطر فهو أن تؤدي الخلافات السياسية أو الأمنية إلى تعطيل عمليات التفتيش أو التدمير، خصوصاً إذا ظهرت مواد جديدة أو معلومات تورط شخصيات نافذة في المرحلة السابقة.

وبالتالي فإن ما بدأ اليوم ليس مجرد التخلص من 42 قنبلة أو عدد من المواد الكيميائية، بل بداية عملية لإعادة بناء سجل الدولة السورية في واحد من أخطر ملفات عهد الأسد، وربط نزع السلاح بالتحقيق والمساءلة.

إذا تمكنت دمشق من إتمام العملية تحت تحقق دولي كامل، فقد يكون ذلك من أكثر الملفات التي تستطيع من خلالها الحكومة الجديدة إثبات التزامها بالقواعد الدولية وبناء قدر من الثقة مع العواصم الغربية والمؤسسات الدولية.

المصادر والتواريخ:

رويترز، 3 سبتمبر 2026، بدء سوريا تدمير بقايا برنامج الأسلحة الكيميائية في عهد الأسد.

الأمم المتحدة، 3 سبتمبر 2026، إفادة إيزومي ناكاميتسو أمام مجلس الأمن.

الحكومة البريطانية، 3 سبتمبر 2026، كلمة السفيرة كيت فوستر أمام مجلس الأمن بشأن البرنامج الكيميائي السوري.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، 27 مايو 2026، اكتشاف أسلحة ومواد ووثائق غير معلنة مرتبطة بالبرنامج الكيميائي السوري.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، 9 يوليو 2026، إعادة حقوق سوريا وامتيازاتها في إطار اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية، 12 يونيو 2026، تحليل تحديات تفكيك الترسانة والإرث الكيميائي السوري.

اترك تعليقا