“سويسرا” تستعيد زخم النمو بدعم الصناعة والدواء

وسط بيئة أكثر تعقيداً ومعدلات تضخم تتضاعف

استعادت “سويسرا” زخماً اقتصادياً لافتاً في الربع الثاني من 2026، بعدما نما ناتجها المحلي الإجمالي الحقيقي المعدل وفق الأحداث الرياضية بنسبة 1.5% على أساس فصلي، مقابل 0.5% في الربع الأول، مسجلاً أقوى وتيرة نمو منذ الربع الثالث من 2021.

وأكدت بيانات أمانة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية أن الأداء جاء واسع النطاق، مع تصدر قطاع الصناعة مشهد النمو، بينما تعافت الطلبات المحلية بعد بداية ضعيفة للعام.

طفرة الصناعات الكيميائية والدوائية تعيد الزخم..

وكان قطاع الكيميائيات والأدوية العامل الأكثر تأثيراً، إذ قفزت القيمة المضافة فيه 10.5%، مدفوعة بارتفاع الصادرات والمبيعات، بعد عدة فصول اتسمت بالضعف أو الانكماش.

كما ارتفعت القيمة المضافة في القطاع الصناعي ككل 3.9%، بدعم من نمو الصناعات التحويلية 4.5%، في حين سجلت بقية الصناعات التحويلية نمواً أكثر اعتدالاً بلغ 0.7%، ولم يقتصر التحسن على الصناعة، إذ نما قطاع الخدمات.

كما أسهم الاستهلاك الحكومي والاستثمارات في دعم الناتج، بينما ارتفعت استثمارات البناء 0.7% واستثمارات المعدات 0.8%، كذلك زادت الواردات 2.2% مع تحسن الطلب المحلي.

وتدعم المؤشرات المبكرة صورة التعافي؛ فقد ارتفع مؤشر مديري المشتريات للتصنيع في أغسطس إلى 57.1 نقطة من 53.2 نقطة في يوليو، ليبقى فوق مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش للشهر السادس على التوالي، مع تحسن الإنتاج والطلبيات والتوظيف.

وتكشف هذه الأرقام أن قوة الاقتصاد السويسري لا تعتمد على محرك واحد، حتى مع الدور الاستثنائي للصناعات الكيميائية والدوائية، بل تستند أيضاً إلى قاعدة صناعية متخصصة وقطاع خدمات قادر على امتصاص الصدمات.

وتكتسب الصادرات أهمية خاصة في اقتصاد شديد الانفتاح، فيما تظل الأسواق الأوروبية، وفي مقدمتها “ألمانيا”، مؤثرة في اتجاه النشاط التجاري، غير أن القفزة الفصلية الحالية ينبغي قراءتها بحذر، إذ إن الارتفاع الاستثنائي في الكيميائيات والأدوية يصعب تكراره بالوتيرة نفسها في كل ربع.

التضخم يختبر صلابة التعافي..

رغم قوة النمو، تدخل “سويسرا” الخريف وسط بيئة أكثر تعقيداً بسبب عودة ضغوط الأسعار، فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلك 0.4% في أغسطس مقارنة بيوليو، بينما بلغ التضخم السنوي 0.8%، متضاعفاً من 0.4% في الشهر السابق.

وأظهرت بيانات المكتب الفدرالي للإحصاء أن الزيادة الشهرية ارتبطت بعوامل عدة، بينها ارتفاع إيجارات المساكن وأسعار البنزين والديزل وزيت التدفئة، إضافة إلى خدمات المستشفيات، بينما تراجعت أسعار بعض خدمات السفر والإقامة.

ورغم صعود التضخم، فإنه لا يزال ضمن النطاق الذي يستهدفه البنك الوطني السويسري، لذلك لا تعني الزيادة تلقائياً أن تشديد السياسة النقدية بات وشيكاً.

وقوة الفرنك السويسري تمثل عاملاً إضافياً في معادلة السياسة النقدية؛ فالعملة القوية تحد من تكلفة الواردات، لكنها قد تضغط في المقابل على تنافسية الشركات المصدرة.

كما أن ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط قد يضيف ضغوطاً على التضخم إذا استمر، من دون أن يكون من الدقيق الجزم بأن البنك الوطني سيضطر إلى رفع الفائدة في الأجل القريب.

وتبقى قدرة الاقتصاد على الحفاظ على الزخم مرتبطة بتطور الطلب الخارجي، وأداء الشركات الكيميائية والدوائية، ومسار الاقتصاد الأوروبي.

ورغم أن “سويسرا” ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، فإن علاقاتها الاقتصادية الوثيقة مع السوق الأوروبية تمنحها استفادة من تحسن الطلب في القارة، وفي الوقت نفسه تجعلها معرضة لتباطؤ الشركاء التجاريين.

ويشير الأداء الحالي إلى اقتصاد أكثر مرونة مما بدا في بداية العام، لكن ذلك لا يبرر افتراض دخول البلاد مرحلة توسع.

فالنمو القوي في الربع الثاني يمثل دليلاً على قدرة الاقتصاد السويسري على التعافي واتساع مصادره، وليس ضماناً لاستمرار الوتيرة نفسها.

وإذا تحسن الطلب الأوروبي واستمرت الصادرات في دعم الصناعة، فقد يحتفظ النشاط بزخمه خلال النصف الثاني من العام، بينما قد يؤدي ارتفاع الطاقة أو قوة الفرنك إلى تقليص هوامش المصدرين.

ومن ثم، تبدو المعادلة السويسرية في الخريف واضحة: الاستفادة من طفرة الصناعة دون الاعتماد عليها وحدها، والحفاظ على النمو مع مراقبة التضخم، بما يسمح للاقتصاد بالاستفادة من قوته الصناعية والانفتاح التجاري من دون تجاهل المخاطر الخارجية.

اترك تعليقا