“أوروبا” تواجه ضغوط الطاقة وارتفاع كلفة الاقتراض

سباق التحول الأخضر يعيد رسم الخريطة الصناعية

تواجه الأسواق الأوروبية مع بداية سبتمبر اختباراً مزدوجاً يجمع بين صدمة الطاقة وارتفاع كلفة التمويل، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومات والشركات لتمويل التحول الأخضر وتعزيز الإنفاق الدفاعي والاستثماري.

وتراجعت الأسهم الأوروبية الأربعاء 2 سبتمبر، مع هبوط مؤشر «ستوكس 600» بنحو 0.3% إلى أدنى مستوى له في شهر، بينما أدى تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط إلى إعادة مخاوف التضخم إلى واجهة الأسواق.

وفي المقابل، تكشف حركة السندات عن قلق أوسع بشأن تكلفة الاقتراض وقدرة الاقتصادات الأوروبية على تمويل احتياجاتها المتزايدة، فيما بدأت المنافسة على الاستثمارات الصناعية النظيفة تعيد توزيع مراكز الجذب داخل القارة.

النفط والسندات.. ضغط مزدوج..

ارتفعت أسعار خام برنت خلال تعاملات الأربعاء إلى مستويات تجاوزت 95 دولاراً للبرميل، قبل أن تتراجع لاحقاً مع تقييم المستثمرين لمخاطر الإمدادات المرتبطة بالتوترات الأميركية الإيرانية.

وبلغ الخام في وقت لاحق نحو 94 دولاراً، بعدما سجل خلال الجلسة مستوى مرتفعاً عند 97.04 دولار، ما يعكس اتساع نطاق التقلبات في سوق الطاقة.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لأوروبا بسبب حساسيتها تجاه أسعار الطاقة واعتمادها على الواردات، إذ يمكن لارتفاع النفط والغاز أن يرفع تكاليف النقل والإنتاج ويعيد الضغط على التضخم.

وتزامن ارتفاع أسعار الطاقة مع موجة بيع في أسواق السندات العالمية، دفعت عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ أبريل 2011.

كما ارتفعت إلى 35% توقعات الأسواق بأن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بحلول مارس 2027، في انعكاس للمخاوف من أن تؤدي صدمة الطاقة إلى إطالة أمد التضخم وتحد من قدرة البنك المركزي على مواصلة سياسة التيسير النقدي.

ولا تقتصر الضغوط على “ألمانيا”، إذ تترك مستويات الدين العام المرتفعة وتكاليف الاقتراض المتزايدة “فرنسا” و”إيطاليا” و”بريطانيا” أكثر عرضة لتداعيات ارتفاع العوائد، وفق قراءة رويترز لتحركات الأسواق.

ومع ذلك، لا تشير الصورة إلى ضعف شامل في الاقتصاد الأوروبي؛ إذ ترى مؤسسات مالية، من بينها UBS Global Wealth Management، أن أسهم منطقة اليورو قد تستفيد على المدى المتوسط من تحسن النشاط الاقتصادي والأرباح، إلى جانب بقاء التقييمات عند مستويات تبدو معقولة نسبياً.

ألمانيا تفقد بعض بريقها.

تتجاوز المشكلة الأوروبية تحركات الأسهم والسندات إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمستقبل القاعدة الصناعية للقارة، فالاتحاد الأوروبي يحتاج في الوقت نفسه إلى تمويل الدفاع والبنية التحتية والتحول الرقمي والأخضر، والحفاظ على الخدمات الاجتماعية.

بينما تواجه دوله أعباء دين مرتفعة وتكاليف تمويل أعلى. ويزيد ذلك من صعوبة توفير البيئة التي تحتاجها الشركات الصناعية لاتخاذ قرارات استثمار طويلة الأجل.

وتبرز “ألمانيا” في قلب هذا التحدي، فبحسب تحليل «فايننشال تايمز»، فقدت البلاد جزءاً من جاذبيتها السابقة للاستثمارات الصناعية الخضراء، رغم نجاحها في استقطاب نحو 27.5 مليار يورو من هذه الاستثمارات منذ عام 2017.

وتشير الصحيفة إلى صعود المجر وإسبانيا كمنافسين مهمين في سباق جذب رأس المال المرتبط بالتقنيات النظيفة، مستفيدتين من مزايا تتعلق بتكلفة الطاقة وتوافرها، إلى جانب انفتاح أكبر على بعض الاستثمارات الصينية في قطاع التكنولوجيا النظيفة.

ولا يعني ذلك أن “ألمانيا” أصبحت خارج خريطة الاستثمار الأخضر، بل إن موقعها التنافسي يتعرض لضغوط متزايدة، فقد أدت أسعار الطاقة المرتفعة منذ الحرب الروسية على “أوكرانيا” إلى زيادة تكاليف الإنتاج، في وقت كانت فيه الصناعة الألمانية تعتمد تاريخياً على الطاقة الرخيصة، والصناعات الثقيلة، والتكنولوجيا المتقدمة، والأسواق العالمية، وعلى نحو خاص السوق الصينية.

وتقدم “إسبانيا” مثالاً واضحاً على التحول الجاري داخل “أوروبا”، فوفرة الطاقة المتجددة وتطور قدراتها في إنتاج الكهرباء النظيفة يجعلانها أكثر قدرة على جذب بعض الاستثمارات الصناعية الجديدة.

ويشير تحليل «فايننشال تايمز» إلى أن قرار «فولكسفاغن» إنشاء مصنع للبطاريات في ف “النسيا” بدلاً من “ألمانيا” يمثل مثالاً على انتقال بعض الاستثمارات نحو مواقع تتمتع بتكاليف أكثر تنافسية وتوافر أفضل للطاقة.

التحول الأخضر.. فرصة أم عبء؟..

تضع هذه التطورات الاتحاد الأوروبي أمام معادلة دقيقة، فالتحول إلى الطاقة النظيفة يمثل في الأجل الطويل وسيلة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وحماية الاقتصاد من تقلبات أسواق النفط والغاز.

لكنه في الأجل القصير يحتاج إلى استثمارات ضخمة في شبكات الكهرباء، ومصادر الطاقة المتجددة، ومصانع البطاريات، والرقائق، والمعدات الصناعية، إلى جانب توفير تمويل قادر على تحمل ارتفاع تكاليف رأس المال.

وتكتسب هذه المهمة أهمية أكبر مع التحول في مزيج الطاقة الأوروبي، فقد تجاوزت مصادر الطاقة المتجددة الوقود الأحفوري في مزيج الطاقة الأوروبي للمرة الأولى خلال 2025، وفق ما أورده تحليل «فايننشال تايمز»، في تطور يمثل نقطة تحول مهمة في مسار القارة نحو خفض الانبعاثات.

لكن تقدم الطاقة النظيفة لا يعني أن مشكلة الطاقة الأوروبية انتهت؛ فتكلفة الكهرباء والقدرة على توفير إمدادات مستقرة وتطوير البنية التحتية لا تزال عوامل حاسمة في تحديد القدرة التنافسية للصناعة.

وهنا تلتقي التطورات الحالية مع التحذيرات التي تضمنها تقرير “ماريو دراغي” حول القدرة التنافسية الأوروبية، فقد حذر التقرير من أن “أوروبا” لم تعد قادرة على الاعتماد على عدد من محركات النمو التي دعمتها في العقود الماضية، ومنها الطاقة الأحفورية الرخيصة والوفيرة.

والطلب الخارجي القوي وفترة الاستقرار الجيوسياسي التي سمحت للحكومات بتوجيه مواردها إلى أولويات أخرى، وفي المقابل، أصبحت القارة مطالبة بتمويل التحول الأخضر والرقمي وتعزيز أمنها في الوقت نفسه.

وتحاول المفوضية الأوروبية تحويل هذه التحديات إلى استراتيجية جديدة تقوم على سد فجوة الابتكار، وتسريع إزالة الكربون، وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية، بالتوازي مع تعميق السوق الموحدة وتسهيل الحصول على التمويل، كما تضع المفوضية خفض تكلفة الطاقة وتطوير البنية التحتية النظيفة في صلب أجندة تعزيز القدرة التنافسية الأوروبية.

وبذلك، لا تبدو أزمة الأسواق الأوروبية الحالية مجرد موجة مؤقتة من تراجع الأسهم وارتفاع عوائد السندات، فهي تكشف عن اختبار أوسع للنموذج الاقتصادي الأوروبي: كيف يمكن للقارة أن تمول الدفاع والاستثمار والتحول الأخضر والخدمات الاجتماعية في وقت ترتفع فيه تكلفة رأس المال والطاقة؟

وإذا تمكنت أوروبا من تسريع بناء شبكات الكهرباء والطاقة المتجددة وخفض تكاليف الطاقة وتعميق سوقها الموحدة، فقد تتحول الضغوط الحالية إلى حافز لإعادة بناء قاعدتها الصناعية.

أما استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والتمويل، فقد يدفع مزيداً من رؤوس الأموال والمصانع إلى الدول والمناطق التي توفر مزيجاً أكثر جاذبية من الطاقة الرخيصة والحوافز الاستثمارية والاستقرار.

اترك تعليقا