الاقتصاد السعودي في 2026.. التحول يتسارع..لكن كلفة المعيشة تختبر أثره
النمو غير النفطي يتنامى.. وضغوط المعيشة تعيد ترتيب أولويات المرحلة المقبلة
- معاذ علي
- 2 سبتمبر، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- اقتصاد, المملكة العربية السعودية, قطاع النفط
مع اقتراب رؤية “السعودية” 2030 من نهاية عقدها الأول، تدخل المملكة مرحلة أكثر تعقيدًا من التحول الاقتصادي؛ فبعد سنوات ركزت خلالها السياسات على إطلاق المشاريع العملاقة وبناء قطاعات جديدة خارج النفط، بات الاختبار الأساسي يتمثل في قدرة هذا التحول على الحفاظ على النمو، وتوسيع قاعدة القطاع الخاص، وخلق وظائف نوعية، وتحسين القدرة الشرائية للأسر.
وتكشف أحدث البيانات المتاحة حتى مطلع سبتمبر 2026 عن صورة مزدوجة: تقدم واضح في تنويع النشاط الاقتصادي، وتسارع في قطاعات السياحة والخدمات والإسكان، بالتزامن مع تباطؤ النمو الكلي نتيجة ضعف النشاط النفطي، واستمرار ضغوط السكن وتكاليف المعيشة، وبينما تواصل المملكة تنفيذ مشاريع «رؤية 2030» وفتح قطاعاتها أمام الاستثمار المحلي والأجنبي، ينتقل النقاش تدريجيًا من حجم التحول إلى جودة نتائجه ومدى انعكاسها على الشركات والأسر وسوق العمل.
التنويع وسوق العمل.. من حجم المشاريع إلى جودة النمو..
أظهرت أحدث تقديرات الهيئة العامة للإحصاء أن الاقتصاد السعودي واجه ضغوطًا قوية خلال الربع الثاني من 2026، إذ انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.8% على أساس سنوي، متأثرًا بانخفاض الأنشطة النفطية 24.7%، وفي المقابل، حافظ الاقتصاد غير النفطي على النمو، لكن بوتيرة أكثر اعتدالًا بكثير مما ورد في التقرير الأصلي، إذ ارتفعت الأنشطة غير النفطية 0.6% على أساس سنوي.
بينما نمت الأنشطة الحكومية 0.9%، وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأنها تعكس انتقال الاقتصاد السعودي إلى مرحلة يصبح فيها نجاح التنويع مرتبطًا بقدرته على الصمود عندما يتراجع النشاط النفطي، وليس فقط بتحقيق معدلات مرتفعة خلال فترات التوسع، كما سجل مؤشر الإيرادات التشغيلية للأعمال قصيرة المدى ارتفاعًا بنسبة 11.4% في مايو، وهو ما يشير إلى استمرار النشاط في أجزاء من القطاع الخاص رغم البيئة الاقتصادية الأكثر تحديًا.
وفي هذا السياق، تظل المشاريع الكبرى مثل نيوم والبحر الأحمر وغيرها جزءًا أساسيًا من استراتيجية التحول، لكن التحدي الاقتصادي لم يعد يتمثل في إطلاق المشاريع بقدر ما يرتبط بتوسيع مشاركتها في الاقتصاد المحلي، ورفع المحتوى المحلي، وإتاحة فرص أكبر أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة وسلاسل الإمداد الوطنية.
ولا توجد، وفق البيانات الرسمية المتاحة، مؤشرات تسمح بالجزم بأن العقود الكبرى «تتركز غالبًا» في كيانات ضخمة أو أن الشركات الصغيرة تواجه أزمة تمويل مرتبطة مباشرة بهذه المشاريع، لذلك يصبح الأدق الحديث عن استمرار الحاجة إلى تحسين وصول المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل والأسواق والعقود الحكومية والخاصة، بدل تقديم هذه النقاط باعتبارها حقائق إحصائية مثبتة.
وفي الوقت نفسه، تتقدم المملكة في إعادة تشكيل سوق العمل؛ فقد أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مرحلة جديدة من برنامج «نطاقات المطور» اعتبارًا من 2026، تستهدف توطين أكثر من 340 ألف وظيفة إضافية خلال ثلاث سنوات، مع إعادة هيكلة الأنشطة وربط نسب التوطين بحجم المنشأة وطبيعة النشاط.
كما بدأت المملكة تطبيق قرارات جديدة لتوطين مهن التسويق والمبيعات والمشتريات والهندسة، في إطار الانتقال من التوطين العام إلى توطين مهن نوعية، ولا تعني هذه التطورات أن تحديات سوق العمل اختفت؛ فالهدف المقبل سيكون تحويل زيادة مشاركة السعوديين في القطاع الخاص إلى وظائف مستقرة ومسارات مهنية قابلة للتطور، خصوصًا مع استمرار دخول خريجين جدد إلى السوق.
وتُظهر أحدث إحصاءات سوق العمل المتاحة للربع الأول من 2026 استمرار أهمية ملف البطالة والتوظيف وجودة الوظائف، فيما تعمل الوزارة على زيادة موثوقية بيانات التوطين عبر ربط احتساب النسب بعقود العمل الموثقة إلكترونيًا من خلال منصة «قوى»، ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة من «السعودة» تبدو مرتبطة بصورة أكبر بجودة الوظيفة والإنتاجية والاستقرار الوظيفي، وليس فقط بعدد الوظائف أو النسبة المئوية للتوطين.
السكن وتكلفة المعيشة.. الضغط الأكبر على ميزانية الأسرة..
على الجانب المعيشي، لا تشير البيانات إلى موجة تضخم مرتفع بالمعنى التقليدي، إذ بلغ معدل التضخم السنوي في السعودية 1.8% خلال يوليو 2026، لكن المتوسط العام يخفي تفاوتًا واضحًا بين مكونات سلة المستهلك، فقد ارتفعت تكاليف السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 4.2% على أساس سنوي، فيما صعدت الإيجارات الفعلية للمساكن بنسبة 4.3%، لتصبح من أكبر مصادر الضغط على التضخم.
وهذه الأرقام تختلف بصورة جوهرية عن الادعاء الوارد في التقرير الأصلي بأن الإيجارات ارتفعت بنسبة 15% إلى 20% خلال العامين الماضيين؛ إذ لا تدعم أحدث بيانات الهيئة العامة للإحصاء تعميم هذه النسبة على المملكة، ولذلك تم حذفها واستبدالها بالمؤشر الرسمي الأحدث، وفي سوق الإسكان، حققت المملكة تقدمًا ملموسًا في توسيع قاعدة التملك؛ فقد ارتفعت نسبة تملك الأسر السعودية من نحو 47% في 2016 إلى 66.24% بنهاية 2025، مقتربة من مستهدف رؤية 2030 البالغ 70%.
وكان معدل التملك قد بلغ 65.4% بنهاية 2024، قبل أن يواصل الارتفاع في 2025، وتستهدف السياسات السكنية زيادة المعروض وتحسين خيارات التمويل وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، مع خطط لإضافة وحدات سكنية وأراضٍ مطورة خلال 2026، لكن ارتفاع التملك لا يلغي ضغوط الإيجارات، خصوصًا في المدن الكبرى، حيث يمكن أن تؤثر تكاليف السكن بصورة أكبر في الأسر التي لم تدخل بعد سوق التملك أو التي تعتمد على الإيجار طويل الأجل.
أما ضريبة القيمة المضافة، التي رُفعت إلى 15% اعتبارًا من يوليو 2020، فقد أصبحت جزءًا مستقرًا من هيكل الإيرادات العامة، ولا يصح التعامل معها باعتبارها عاملًا جديدًا في التضخم خلال 2026، لكن أثرها التراكمي على ميزانيات الأسر يظل موضوعًا اقتصاديًا مهمًا عند تحليل القدرة الشرائية، إلى جانب أسعار السكن والخدمات والسلع.
ولذلك فإن التحدي المعيشي للمملكة لا يتمثل حاليًا في ارتفاع عام وحاد للأسعار، وإنما في تفاوت تأثير التضخم بين الفئات، بحيث تستطيع الأسر ذات الدخول الأعلى امتصاص زيادة تكاليف السكن والخدمات بصورة أكبر من الأسر ذات الدخول المتوسطة أو المحدودة، ومن هنا تبرز أهمية زيادة المعروض السكني، وتطوير المنتجات الملائمة لمختلف شرائح الدخل، والحفاظ على استقرار الأسعار دون الإضرار بالنمو والاستثمار.
السياحة والاستثمار.. زخم قوي واختبار للشمول الاقتصادي..
تظل السياحة واحدة من أبرز قصص التحول الاقتصادي في السعودية، لكن البيانات المتاحة حتى سبتمبر 2026 تقدم صورة أكثر توازنًا من الحديث عن «أرقام قياسية» مطلقة في جميع المؤشرات، ففي الربع الأول من العام، بلغ عدد الزوار المحليين والدوليين نحو 37.2 مليون زائر، وبلغ إجمالي الإنفاق السياحي نحو 82.7 مليار ريال.
وسجلت السياحة المحلية نموًا قويًا، إذ ارتفع عدد السياح المحليين إلى 28.9 مليونًا، بزيادة 16% على أساس سنوي، بينما بلغت نفقاتهم 34.7 مليار ريال بزيادة 8%، وفي المقابل، أظهرت بيانات القطاع أن عدد الزوار الدوليين في الربع الأول تراجع بنحو 13% إلى 8.3 مليون زائر، في وقت تراجعت فيه نفقاتهم بنحو 7%، وهو ما يعكس تأثير الظروف الإقليمية خلال الفترة نفسها.
كما قال وزير السياحة “أحمد الخطيب” في يونيو: إن أداء القطاع خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 تراجع بنحو 5% إلى 6% مقارنة بالعام السابق، مع بقاء السياحة الدينية عامل دعم رئيسيًا، وفي الوقت ذاته، يستمر الاستثمار في البنية السياحية؛ فقد ارتفع عدد منشآت الضيافة السياحية المرخصة بنسبة 22.7% على أساس سنوي في الربع الأول من 2026 إلى 6,122 منشأة، كما زاد عدد العاملين في المنشآت السياحية بنحو 9% إلى قرابة 177 ألف موظف.
وتعكس هذه التطورات توسع البنية التحتية للقطاع وقدرته على خلق نشاط اقتصادي ووظائف جديدة، لكنها تفرض في المقابل تحديًا يتمثل في ضمان استفادة المنشآت المحلية الصغيرة من دورة النمو السياحي، خصوصًا في الوجهات التاريخية والمناطق التي تشهد ارتفاعًا في الإيجارات التجارية وتكاليف التشغيل.
ولا تتوافر بيانات رسمية كافية لإثبات أن العلامات العالمية تسيطر على المواقع الحيوية أو أن المشاريع المحلية تتعرض للإقصاء بصورة عامة، ولذلك فإن الأدق اعتبار اندماج المنشآت المحلية في سلسلة القيمة السياحية هدفًا اقتصاديًا ينبغي تعزيزه، وليس نتيجة محسومة مسبقًا.
وتكشف الصورة الإجمالية للاقتصاد السعودي في 2026 عن مرحلة مختلفة من رؤية 2030؛ فالمملكة لم تعد في مرحلة إثبات قدرتها على إطلاق قطاعات ومشاريع جديدة، بل تواجه اختبارًا أكثر دقة يتعلق باستدامة النمو، ورفع إنتاجية القطاع الخاص، وتحويل الاستثمارات الضخمة إلى قيمة اقتصادية محلية، بالتوازي مع الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر.
وفي الربع الأخير من العام، سيكون نجاح السياسة الاقتصادية مرتبطًا بقدرتها على تحقيق توازن بين الإنفاق الاستثماري والانضباط المالي، ودعم القطاعات غير النفطية، وتطوير سوق العمل، وزيادة المعروض السكني، وتوسيع استفادة الشركات المحلية من النمو السياحي والاستثماري.
وبذلك، يصبح معيار نجاح التحول السعودي أبعد من حجم المشاريع أو عدد الزوار والاستثمارات؛ إذ يكمن الاختبار الحقيقي في مدى قدرة هذا التحول على بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وإنتاجية، وعلى تحويل النمو الهيكلي إلى تحسن مستدام وملموس في فرص العمل ومستويات المعيشة.