باكستان نحو اقتصاد التريليون دولار

«أوران» واختبار التحول الاقتصادي

تواجه باكستان اختباراً اقتصادياً حاسماً بعد تجاوز مرحلة من الضغوط المالية وعدم الاستقرار، إذ بات التحدي الأكبر يتمثل في تحويل الاستقرار الاقتصادي إلى نمو مستدام قائم على الإنتاجية والصادرات والاستثمار وتوفير فرص العمل.

وخلال لقائه وفداً من طلاب ماجستير إدارة الأعمال في كلية هارفارد للأعمال في إسلام آباد، طرح وزير التخطيط والتنمية والمبادرات الخاصة أحسن إقبال رؤية حكومية تستهدف تحويل باكستان إلى اقتصاد تبلغ قيمته تريليون دولار بحلول عام 2035، من خلال إطار «أوران باكستان» القائم على خمسة محاور، مع التركيز على الإنتاجية والجودة والابتكار.

الاستقرار ليس نهاية الطريق

المشكلة الأساسية التي تواجه الاقتصاد الباكستاني لا تقتصر على تحقيق الاستقرار المالي، وإنما تتمثل في منع العودة إلى الدورة التقليدية التي عانى منها الاقتصاد لسنوات، والمتمثلة في تحسن مؤقت يعقبه ضغط على الحساب الخارجي واحتياطيات النقد الأجنبي، ثم إجراءات تقشف وإبطاء للنمو.

وتسعى الحكومة إلى كسر هذه الحلقة عبر بناء نموذج اقتصادي يعتمد على الإنتاج والتصدير بدلاً من الاستهلاك والاستيراد، مع التركيز على القطاعات التي تستطيع إنتاج سلع ذات قيمة مضافة مرتفعة.

ويرى خبراء اقتصاديون أن نجاح هذه الرؤية يتطلب رفع الإنتاجية وتحسين بيئة الأعمال وزيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية، بالتوازي مع إصلاح المالية العامة والطاقة والمؤسسات الحكومية.

تريليون دولار.. هدف طموح

الوصول إلى اقتصاد بقيمة تريليون دولار بحلول 2035 يمثل هدفاً طموحاً، ويتطلب تحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستقرة على مدى سنوات طويلة.

ويرى أحسن إقبال أن الإصلاحات العميقة والحوكمة واستمرارية السياسات يمكن أن تضع باكستان على مسار مختلف، فيما قد يؤدي غياب الإصلاحات إلى استمرار الاقتصاد في معدلات نمو أقل من إمكاناته.

ولا يتعلق الأمر بحجم الناتج المحلي فقط، وإنما بقدرة الاقتصاد على خلق وظائف جديدة، وزيادة دخل المواطنين، وتحسين مستوى الخدمات، وتقليل الاعتماد على القروض والمساعدات الخارجية.

التكنولوجيا مفتاح التحول

تضع الحكومة التكنولوجيا في قلب خطتها الاقتصادية، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والتصنيع المتقدم والاقتصاد الرقمي.

وتمتلك باكستان ميزة مهمة تتمثل في التركيبة السكانية الشابة، إلا أن تحويل هذه الميزة إلى قوة اقتصادية يحتاج إلى تطوير التعليم والتدريب المهني والمهارات الرقمية، وربط الجامعات باحتياجات سوق العمل.

كما تسعى الحكومة إلى إعادة تقديم شعار «صنع في باكستان» باعتباره منتجاً يتمتع بالجودة والابتكار والقدرة على المنافسة في الأسواق العالمية، وليس مجرد منتجات منخفضة التكلفة.

CPEC 2.0.. من الطرق إلى الصناعة

تمثل المرحلة الثانية من الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان فرصة مهمة لتحقيق التحول الاقتصادي، إذ تركز على التعاون الصناعي ونقل التكنولوجيا والزراعة والصادرات والشراكات التجارية.

ويأمل الجانب الباكستاني أن تؤدي هذه المرحلة إلى إنشاء صناعات جديدة، وزيادة الإنتاج المحلي، وفتح أسواق أمام المنتجات الباكستانية، والاستفادة من الخبرة الصينية في التكنولوجيا والتصنيع.

لكن نجاح هذه المرحلة يتوقف على قدرة باكستان على تحويل الاستثمارات إلى مشروعات منتجة، وليس مجرد مشروعات بنية تحتية، بحيث تساهم في توفير فرص العمل وزيادة الصادرات ونقل المعرفة والتكنولوجيا.

آلية التنفيذ

حتى تتحول «أوران باكستان» إلى واقع، تحتاج الحكومة إلى وضع أهداف سنوية واضحة لكل قطاع، وربط الإنفاق والاستثمارات الحكومية بمؤشرات قابلة للقياس في الإنتاج والصادرات والتوظيف.

كما يتطلب التنفيذ تبسيط إجراءات الاستثمار، وتحسين بيئة الأعمال، وتوفير الطاقة بأسعار تنافسية، وتطوير الموانئ وشبكات النقل، وتحسين البنية الرقمية.

ويشكل القطاع الخاص محوراً أساسياً في هذه العملية، لأن الحكومة وحدها لن تستطيع تمويل التحول الاقتصادي. ولذلك يركز إقبال على جذب المستثمرين ورواد الأعمال الباكستانيين في الخارج وتشجيعهم على العودة والمشاركة في الاقتصاد.

التحديات

تواجه الخطة مجموعة من العقبات، أبرزها محدودية الموارد المالية، وارتفاع تكلفة الطاقة، وضعف الإنتاجية في بعض القطاعات، والاعتماد على الواردات، إضافة إلى الحاجة لإصلاح المؤسسات الحكومية وتحسين النظام الضريبي.

كما تمثل التوترات الجيوسياسية وتقلب أسعار الطاقة العالمية مخاطر إضافية على الاقتصاد، خصوصاً أن أي ارتفاع كبير في تكلفة النفط يمكن أن يزيد الضغوط على الحساب الجاري والتضخم.

أما التحدي الأكبر فيتمثل في استمرارية السياسات. فالمستثمر يحتاج إلى رؤية اقتصادية مستقرة لسنوات طويلة، وليس تغييرات متكررة في الضرائب والتجارة والاستثمار مع تغير الحكومات.

التوقعات

من المرجح أن يكون الطريق نحو اقتصاد التريليون دولار تدريجياً وليس سريعاً. وستكون المرحلة الأولى مرتبطة بالحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، تليها زيادة الاستثمار والإنتاجية، ثم توسيع القاعدة الصناعية وتعزيز الصادرات.

وتملك باكستان بالفعل مقومات يمكن البناء عليها، من موقع جغرافي مهم وسكان شباب وموارد طبيعية واقتصاد رقمي متنامٍ وجالية كبيرة في الخارج.

لكن هذه المقومات لن تتحول تلقائياً إلى نمو اقتصادي. فالنجاح يتوقف على قدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات، وضمان استقرار السياسات، وإشراك القطاع الخاص، وتطوير رأس المال البشري، والاستفادة من التكنولوجيا.

وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي أمام «أوران باكستان» ليس إعلان هدف الوصول إلى تريليون دولار، وإنما بناء المؤسسات والقطاعات القادرة على تحقيق هذا الهدف. فإذا نجحت إسلام آباد في تحويل الإنتاجية والتكنولوجيا والصادرات والاستثمار الخاص إلى محركات رئيسية للنمو، فقد تقترب من تحقيق طموحها بحلول 2035.

أما إذا استمرت المشكلات الهيكلية دون معالجة، فقد يبقى الهدف بعيداً رغم الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها البلاد.

اترك تعليقا