قوة استقرار غزة .. بين حفظ الأمن بالقطاع والدخول في مواجهات مسلحة مع الفصائل

ماذا يعني مشاركة المغرب واستبعاد تركيا

الرائد : في ضوء إعلان نيكولاي ملادينوف، المبعوث المسؤول عن ملف غزة، عن الترتيبات الخاصة بقوة الاستقرار الدولية، ومشاركة المغرب فيها، تبدو غزة مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، لأن هذه القوة لن تكون مجرد قوة مراقبة تقليدية لوقف إطلاق النار، بل جزءاً من ترتيبات سياسية وأمنية أوسع لإعادة تشكيل الوضع داخل القطاع.

ويزداد الجدل وفق مراقبين  بسبب استبعاد تركيا، التي كانت راغبة في المشاركة، في ظل اعتراض إسرائيلي واضح على وجود قوات تركية في غزة وكأنه اعلان غير مباشر منملادينوف بأن الاحتلال هومن يهدد هوية المشاركين في قوة الاستقرار من عدمه.

مهمة قوة الاستقرار

المهمة المعلنة للقوة هي تثبيت وقف إطلاق النار، توفير الأمن، حماية المواقع والمنشآت الحيوية، دعم وصول المساعدات، والمساعدة في تدريب الشرطة الفلسطينية، إلى جانب الإشراف على مرحلة الانتقال الأمني والسياسي. كما أن القوة مرتبطة بصورة مباشرة بمشروع نزع سلاح الفصائل المسلحة وإعادة بناء منظومة أمنية فلسطينية جديدة.

وهنا تكمن الحساسية الأساسية؛ فالقوة ليست قوة حفظ سلام بالمعنى التقليدي الذي يقتصر على الفصل بين طرفين متحاربين، وإنما يُنتظر منها المساعدة في تنفيذ ترتيبات نزع السلاح وإعادة فرض الأمن داخل القطاع.

وقد أكد ملادينوف أن خطة غزة تتضمن نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة، من دون استثناء فصيل بعينه، وأن الانسحاب الإسرائيلي سيكون تدريجياً ومتبادلاً مع التقدم القابل للتحقق في ملف نزع السلاح.

كم يبلغ عدد القوات؟

الرقم النهائي لم يُحسم بصورة كاملة حتى الآن، لكن الخطة تستهدف قوة قوامها نحو 20 ألف عنصر، غير أن القوة في مرحلتها الأولى ستكون أصغر بكثير؛ إذ تحدثت تقارير عن نحو 200 عنصر من دول مشاركة، بينما أعلنت أوغندا استعدادها لإرسال نحو 1200 جندي، وأبدت دول أخرى استعدادها للمشاركة. أما المغرب، فتشير المعطيات المتاحة إلى استعداده لإرسال ما يصل إلى 500 جندي.

وبالتالي، فإن الحديث عن قوة من 20 ألف عنصر يمثل هدفاً نهائياً، وليس العدد الذي سيدخل غزة دفعة واحدة. وسيكون حجم الانتشار مرتبطاً بالتطورات الميدانية وبمدى تنفيذ مراحل الاتفاق.

لا توجد حتى الآن خريطة نهائية معلنة تحدد كل مواقع انتشار القوة. لكن وظيفتها تتركز في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، والمنشآت الحيوية، والمواقع التي تحتاج إلى حماية أمنية، وممرات المساعدات، ومناطق إعادة الإعمار.

ومن المتوقع أن يكون الانتشار تدريجياً، بحيث تحل القوة الدولية محل الاحتلال  الإسرائيلي في المناطق التي يتم الاتفاق على انسحاب قوات الجيش الصهيوني منها.وهذه النقطة مهمة للغاية، لأن حكومننتنياهو اليمينية المتطرفة  لا تزال تربط انسحابها الكامل بتحقق نزع سلاح الفصائل بصورة يمكن التحقق منها.ولذلك فإن انتشار القوة الدولية سيكون مرتبطاً على الأرجح بعملية متزامنة: انسحاب إسرائيلي من مناطق، وانتشار دولي فيها، وفرض ترتيبات أمنية جديدة.

هل تقتصر مهمتها على نزع سلاح الفصائل؟

ومن المهم الإشارة هنا أن نزع السلاح يمثل أحد أهم الملفات، لكنه ليس المهمة الوحيدة. فالقوة مطالبة أيضاً بالمساعدة في تثبيت الهدوء، وتأمين البيئة اللازمة للمساعدات وإعادة الإعمار، ودعم الشرطة الفلسطينية، ومنع تحول القطاع إلى فراغ أمني بعد الانسحاب الإسرائيلي.

لكن عملياً، سيظل ملف السلاح هو الاختبار الأصعب؛ لأن نجاح القوة في أداء مهمتها سيتوقف على قدرتها على التعامل مع الفصائل المسلحة من دون أن تتحول إلى طرف في الصراع.

وهنا يبرز السؤال الفلسطيني: هل ستقوم القوة فقط بمراقبة اتفاق سياسي وافقت عليه الأطراف، أم ستكون مكلفة باستخدام القوة لفرض نزع السلاح؟ الفرق بين الحالتين كبير جداً، وقد يحدد مستقبل العلاقة بينها وبين الفصائل.

تتعامل الفصائل معها

من المرجح أن يكون موقف الفصائل الفلسطينية مشروطاً بطبيعة التفويض الممنوح للقوة. فإذا جاءت باعتبارها قوة مؤقتة لضمان وقف إطلاق النار وحماية المدنيين والمساعدات، مع انسحاب إسرائيلي واضح، فقد يكون التعامل معها أكثر سهولة.

أما إذا تحولت إلى قوة مهمتها الأساسية مطاردة عناصر الفصائل أو مصادرة الأسلحة بالقوة أو حماية مواقع إسرائيلية، فمن الصعب تصور قبول فلسطيني واسع بها.

وهنا تحديداً تكمن احتمالات الاحتكاك. فحتى مع وجود اتفاق سياسي على نزع السلاح، فإن عملية التنفيذ قد تنتج أزمات إذا اختلفت الأطراف حول تعريف السلاح الذي يجب تسليمه، أو توقيت التسليم، أو ضمانات الانسحاب الإسرائيلي.

مواجهات مع الفصائل

وفي هذا السياق يبدوهذا الاحتمال موجودا، لكنه ليس حتمياً. فالقوة الدولية ستواجه معضلة شديدة الصعوبة إذا رفضت مجموعات فلسطينية تنفيذ ترتيبات نزع السلاح. وإذا اختارت استخدام القوة، فقد تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع فصائل فلسطينية، وهو سيناريو يمكن أن يحولها من قوة استقرار إلى طرف جديد في النزاع.

ولهذا فإن نجاح المهمة يتطلب ترتيبات سياسية واضحة وضمانات متبادلة، وليس الاعتماد على القوة العسكرية وحدها.

هذا هو السؤال الأكثر إثارة للجدل. فإسرائيل تنظر إلى القوة من زاوية أمنية واضحة: غزة يجب ألا تعود مصدر تهديد لها، وملادينوف نفسه قال إن خارطة الطريق تستهدف ضمان ألا تشكل غزة مجدداً تهديداً للأمن الإسرائيلي.

لكن ذلك لا يعني تلقائياً أن القوة ستكون «قوة إسرائيلية بالوكالة». فهناك فرق بين ضمان أمن إسرائيل ضمن اتفاق سياسي شامل وبين التحول إلى قوة تقوم بحماية الاحتلال أو تثبيت وجوده العسكري.

المشكلة أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي أو تأخر الانسحاب، بالتزامن مع مطالبة الفلسطينيين بتسليم أسلحتهم، سيخلق شعوراً بأن القوة الدولية تعمل على نزع أدوات المقاومة قبل إنهاء السيطرة الإسرائيلية. وهذا تحديداً قد يدفع الفصائل إلى رفضها أو مقاومتها سياسياً وميدانياً.

أما استبعاد تركيا وإعطاء مساحة أكبر لدول مثل المغرب وأوغندا وكوسوفو وألبانيا، فيعكس محاولة لتشكيل قوة تستطيع إسرائيل قبولها، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات فلسطينية حول مدى استقلالية القوة. وقد وافقت إسرائيل بالفعل بصورة أولية على دخول قوة دولية محدودة، مع استبعاد تركيا من التركيبة المطروحة.

ومن هنا يمكننا القول أن نجاح قوة الاستقرار لن يتوقف على عدد جنودها بقدر ما سيتوقف على طبيعة تفويضها. فإذا جاءت في إطار اتفاق متوازن يتضمن انسحاباً إسرائيلياً فعلياً، وترتيبات فلسطينية داخلية، وإعادة إعمار، وحماية للمدنيين، فقد تصبح عامل استقرار.أما إذا أصبح دورها الأساسي نزع سلاح الفصائل بينما يبقى الانسحاب الإسرائيلي مؤجلاً، فقد تتحول إلى نقطة اشتعال جديدة، وربما تجد الدول المشاركة نفسها أمام مواجهة لم تدخل غزة من أجلها

 

 

 

 

اترك تعليقا