بطالة الشباب ترتفع مجدداً عالميا والوظائف الهشة تتسع

وسط التحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي

الرائد// أظهر تقرير حديث لمنظمة العمل الدولية أن أزمة تشغيل الشباب لم تعد مشكلة تتركز في الدول الفقيرة وحدها، بل أصبحت تمتد أيضاً إلى الاقتصادات ذات الدخل المرتفع، في وقت يتباطأ فيه خلق الوظائف وتتزايد الضغوط الناتجة عن التحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.

وقالت منظمة العمل الدولية في تقريرها «الاتجاهات العالمية لتشغيل الشباب 2026: العودة إلى المستقبل»، الصادر في 11 أغسطس 2026، إن معدل بطالة الشباب عالمياً ارتفع إلى 12.4 في المئة خلال عام 2025، بما يعادل نحو 67 مليون شاب وشابة بين 15 و24 عاماً. كما ارتفعت نسبة الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريباً إلى نحو 20 في المئة، أي أكثر من 257 مليون شخص.

والأكثر إثارة للقلق أن ارتفاع البطالة لم يكن محصوراً في الدول النامية؛ فقد سجلت بعض الاقتصادات مرتفعة الدخل زيادات حادة في بطالة الشباب، ما يشير إلى أن الحصول على تعليم جيد لم يعد يضمن بالضرورة الانتقال السلس إلى وظيفة مستقرة ومجزية.

وقالت سارة إلدر، رئيسة وحدة تحليل العمالة والسياسات الاقتصادية في منظمة العمل الدولية، خلال ندوة للمنظمة في 19 أغسطس، إن التقدم الذي تحقق في أسواق عمل الشباب توقف، وإن المطلوب هو تعزيز الأسس التي تساعد الشباب على الانتقال من التعليم إلى العمل بصورة أكثر استقراراً.

وتكشف الأرقام أيضاً عن فجوة اجتماعية كبيرة. فقرابة تسعة من كل عشرة من الشباب العاملين بين 15 و29 عاماً في البلدان منخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط الأدنى يعملون في الاقتصاد غير الرسمي، ما يحرم نسبة كبيرة منهم من الاستقرار الوظيفي والحماية الاجتماعية والمزايا المرتبطة بالعمل النظامي.

وتبدو الصورة أكثر صعوبة في الدول العربية وشمال أفريقيا. فقد بلغ معدل بطالة الشباب في الدول العربية 26.2 في المئة عام 2025، بينما وصل في شمال أفريقيا إلى 22.6 في المئة، فيما كان ما لا يقل عن شاب واحد من كل ثلاثة خارج العمل والتعليم والتدريب في المنطقتين. وتضع هذه الأرقام قضية تشغيل الشباب في قلب التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المنطقة.

ولا ترى المنظمة أن المشكلة يمكن حلها بمجرد زيادة عدد الوظائف. فالعمل المتاح للشباب يجب أن يكون عملاً لائقاً يوفر دخلاً مستقراً وحماية اجتماعية وفرصاً للتطور المهني. ولهذا تؤكد منظمة العمل الدولية أهمية الجمع بين التعليم والتدريب والخدمات الحكومية للتوظيف والحماية الاجتماعية، بدلاً من التعامل مع البطالة باعتبارها مشكلة اقتصادية منفصلة عن بقية السياسات الاجتماعية.

وتضيف التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى الأزمة. فقد ناقشت منظمة العمل الدولية في 26 و27 أغسطس الجاري، خلال حوار إقليمي حول الذكاء الاصطناعي في الصين ورابطة دول جنوب شرق آسيا، كيفية توجيه التكنولوجيا نحو أسواق عمل قادرة على خلق فرص بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع آثار فقدان بعض الوظائف.

وتحذر هذه التطورات من مشكلة أعمق من مجرد ارتفاع معدل البطالة. فإذا دخل ملايين الشباب سوق العمل من بوابة الوظائف المؤقتة أو غير الرسمية أو منخفضة الأجر، فقد يتحول العمل نفسه إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار بدلاً من أن يكون وسيلة للخروج منه.

كما أن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية ضعف فرصهم سيكون تبسيطاً للمشكلة. فالتقرير يربط تراجع فرص العمل بعوامل أوسع تشمل تباطؤ النمو الاقتصادي، وضعف خلق الوظائف، والتوترات الجيوسياسية، والتحولات التكنولوجية السريعة.

وتبرز هنا ضرورة مراجعة السياسات الاقتصادية التي تقيس نجاح الاقتصاد بمعدلات النمو والإنتاجية فقط، من دون النظر بالقدر نفسه إلى نوعية الوظائف التي يخلقها هذا النمو ومن يستفيد منها. فالاقتصاد الذي ينمو بينما يبقى جيل كامل عاجزاً عن بناء حياة مستقرة قد يحقق مؤشرات مالية جيدة، لكنه يراكم في الوقت نفسه مشكلة اجتماعية مؤجلة.

وتؤكد كريستينا بهرندت، رئيسة وحدة السياسات الاجتماعية في منظمة العمل الدولية، أن الحماية الاجتماعية لا ينبغي أن تبدأ فقط بعد حصول الشاب على وظيفة، بل ينبغي أن ترافقه منذ بداية انتقاله إلى سوق العمل.

وهذه النقطة مهمة خصوصاً في الدول التي تعتمد على الشباب بوصفهم قوة العمل المستقبلية. فغياب الوظيفة المستقرة لسنوات طويلة لا يعني خسارة دخل فقط، بل قد يعني تأخر الزواج والاستقلال السكني وتكوين الأسرة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واتساع الفوارق بين من يملكون شبكات اجتماعية واقتصادية تساعدهم على دخول سوق العمل ومن لا يملكونها.

المشكلة إذن ليست في الشباب وحدهم، ولا في نقص مهاراتهم فقط. إنها في نموذج اقتصادي يحتاج إلى إعادة التفكير في العلاقة بين النمو والعمل والحماية الاجتماعية، بحيث لا يصبح الجيل الجديد مطالباً بالتكيف مع سوق عمل يتغير باستمرار بينما تبقى قواعد توزيع الفرص والمخاطر على حالها.

المصادر والتواريخ:

منظمة العمل الدولية، تقرير «الاتجاهات العالمية لتشغيل الشباب 2026: العودة إلى المستقبل»، 11 أغسطس 2026.

منظمة العمل الدولية، «بطالة الشباب ترتفع بينما يواجه الشباب طريقاً أكثر صعوبة إلى العمل اللائق»، 11 أغسطس 2026.

منظمة العمل الدولية، ندوة «ارتفاع أعداد الشباب خارج العمل والتعليم والتدريب»، 19 أغسطس 2026.

منظمة العمل الدولية، حوار إقليمي حول الذكاء الاصطناعي وأسواق العمل في الصين ورابطة دول جنوب شرق آسيا، 26 و27 أغسطس 2026.

اترك تعليقا