واشنطن تضع فلسطين أكشن تحت مقصلة الإرهاب

في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز العقوبات المالية

في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز العقوبات المالية التقليدية، أعلنت الولايات المتحدة، الأربعاء 26 أغسطس/آب 2026، إدراج حركة «فلسطين أكشن» البريطانية على قائمة العقوبات باعتبارها «إرهابية»، في إطار حملة أوسع لإدارة الرئيس دونالد ترامب تستهدف ما تصفه واشنطن بـ«الإرهاب اليساري المتطرف». القرار لا يستهدف حركة فلسطينية مسلحة، وإنما تنظيماً ناشطاً في بريطانيا اشتهر باقتحام وتعطيل منشآت وشركات دفاع مرتبطة بإسرائيل، وعلى رأسها شركة «إلبيط سيستمز» الإسرائيلية.

وتكشف الخطوة عن تحول لافت في تعريف واشنطن لأولويات مكافحة الإرهاب؛ فوزارة الخزانة الأمريكية لم تكتفِ باستهداف «فلسطين أكشن»، بل فرضت في اليوم نفسه إجراءات ضد كيان إيطالي قالت إنه يوفر بنية تحتية وخدمات رقمية لجماعات يسارية متطرفة، كما استهدفت مجموعة «المسار الفلسطيني الثوري البديل» التي قالت إنها واجهة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المصنفة أمريكياً منظمة إرهابية.

من بريطانيا إلى واشنطن

كانت بريطانيا قد سبقت الولايات المتحدة إلى حظر «فلسطين أكشن» في يوليو/تموز 2025 بموجب قانون الإرهاب، بعد سلسلة من العمليات التي استهدفت منشآت عسكرية وشركات مرتبطة بصناعة الدفاع الإسرائيلية. وفي يوليو الماضي وافقت المحكمة العليا البريطانية على النظر في الطعن على قرار الحظر، بعدما أيدت محكمة الاستئناف قانونيته، ما يجعل الملف البريطاني نفسه مفتوحاً على معركة قضائية وسياسية جديدة.

وتقول «فلسطين أكشن» إن نشاطها يستهدف تعطيل ما تعتبره جزءاً من «آلة الحرب الإسرائيلية»، بينما ترى الحكومتان البريطانية والأمريكية أن بعض أساليب الحركة تجاوزت حدود الاحتجاج السياسي إلى أعمال يمكن أن تدخل في نطاق الإرهاب أو دعم العنف.

وهنا تكمن القضية الأكثر حساسية: أين ينتهي الاحتجاج السياسي وتبدأ الجريمة السياسية أو الإرهاب؟

واشنطن تعلن سياسة جديدة

وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قدم القرار باعتباره جزءاً من استراتيجية لمواجهة الشبكات اليسارية المتطرفة، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستستخدم أدواتها المالية ضد هذه الجماعات ومن يدعمها. وتأتي هذه السياسة بعد إعلان وزير الخارجية ماركو روبيو، الشهر الماضي، أمام مسؤولين من أكثر من 60 دولة، أن واشنطن تريد إعادة تركيز جزء من الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب على ما وصفه بـ«إرهاب اليسار المتطرف».

وتعني العقوبات الأمريكية عملياً تضييق الخناق المالي على الحركة، إذ تسمح آليات وزارة الخزانة بتجميد الأصول الواقعة ضمن الولاية الأمريكية ومنع الأشخاص والمؤسسات الأمريكية من تقديم الأموال أو الخدمات للجهة المستهدفة.

ويرى مؤيدو القرار أن واشنطن لا تستطيع التعامل بمعايير مزدوجة مع العنف السياسي؛ فإذا كان استهداف المنشآت العسكرية أو الاعتداء على أفراد الشرطة مرفوضاً عندما يصدر عن جماعات يمينية أو يسارية أو دينية، فإن الانتماء إلى قضية سياسية لا ينبغي أن يمنح حصانة.

«فلسطين أكشن»: القرار تهديد للحريات

لكن هدى عموري، المؤسسة المشاركة لـ«فلسطين أكشن»، رفضت القرار بشدة، معتبرة أن نشاط الحركة يتمحور حول تعطيل الصناعات المرتبطة بالحرب الإسرائيلية من أجل حماية الأرواح الفلسطينية. ووصفت الخطوة الأمريكية بأنها جرس إنذار بالنسبة إلى حرية التعبير والحريات المدنية.

ومن منظور الحركة وأنصارها، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالعقوبات، وإنما بتحويل نشاط احتجاجي مؤيد للفلسطينيين إلى قضية إرهاب دولي. ويخشى هؤلاء أن يؤدي القرار إلى توسيع نطاق الملاحقات ضد المتضامنين مع فلسطين، خصوصاً في الولايات المتحدة وبريطانيا.

أما المنتقدون للحركة فيرون أن توصيف نشاطها باعتباره احتجاجاً سلمياً يتجاهل وقائع اقتحام منشآت عسكرية وإلحاق أضرار بممتلكات، وأن استهداف شركات دفاعية أو مواقع عسكرية لا يصبح مشروعاً لمجرد رفع شعار سياسي أو إنساني.

معركة قانونية في بريطانيا

القرار الأمريكي يأتي في وقت تستعد فيه بريطانيا لمعركة قضائية مهمة. فالمحكمة العليا البريطانية وافقت على النظر في الطعن المقدم ضد حظر «فلسطين أكشن»، بعد أن خلصت محكمة الاستئناف إلى أن قرار الحكومة البريطانية كان قانونياً. ومن المنتظر أن تكون القضية اختباراً مهماً للتوازن بين الأمن القومي وحرية التعبير وحق الاحتجاج.

وتكتسب القضية أهمية خاصة لأن الحظر البريطاني أدى بالفعل إلى توقيف آلاف الأشخاص بسبب التعبير عن دعمهم للحركة أو المشاركة في احتجاجات مرتبطة بها، بحسب تقارير عن تطبيق القانون منذ صدور قرار الحظر.

لماذا «إلبيط» في قلب المواجهة؟

تستهدف «فلسطين أكشن» بصورة خاصة شركة «إلبيط سيستمز»، وهي من أكبر شركات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية، وتتهمها الحركة بالارتباط بالعمليات العسكرية الإسرائيلية. ولهذا تحولت منشآت الشركة في بريطانيا إلى هدف متكرر لنشاط الحركة.

وفي المقابل، ترى إسرائيل وحلفاؤها أن استهداف الشركات الدفاعية والمنشآت العسكرية يمثل ضغطاً على البنية الأمنية والعسكرية، وليس مجرد تعبير عن الرأي.

وهذا يجعل القرار الأمريكي مرتبطاً بشكل مباشر بالصراع حول غزة وإسرائيل، حتى وإن جاء تحت عنوان أوسع هو «مكافحة الإرهاب اليساري المتطرف».

انتقادات أمريكية ومخاوف من التسييس

في الداخل الأمريكي، يثير التحول في أولويات مكافحة الإرهاب سؤالاً سياسياً آخر: هل تستخدم إدارة ترامب أدوات مكافحة الإرهاب لمواجهة خصوم أيديولوجيين؟

وقد أثار إعلان روبيو بشأن إعادة توجيه التركيز نحو «الإرهاب اليساري المتطرف» مخاوف لدى ديمقراطيين من أن يؤدي ذلك إلى تسييس موارد مكافحة الإرهاب وتحويل الاهتمام بعيداً عن تهديدات أخرى. وتأتي الإجراءات الحالية في سياق أوسع من تعهدات ترامب خلال حملته الانتخابية بمواجهة الجماعات اليسارية التي اتهمها بالتحريض على العنف.

في المقابل، تقول الإدارة إن تصنيف الجماعات لا يعتمد على أفكارها السياسية، وإنما على أفعالها وشبكات الدعم التي تقف خلفها، وإن مواجهة الإرهاب يجب ألا تكون مرتبطة باتجاه أيديولوجي واحد.

ردود الفعل تتجاوز «فلسطين أكشن»

منظمات وناشطون مؤيدون للفلسطينيين ينظرون إلى القرار باعتباره جزءاً من تضييق متزايد على الحركات التي تستهدف الشركات المرتبطة بإسرائيل، بينما يعتبره مؤيدو إسرائيل خطوة ضرورية لمنع تحول الاحتجاج إلى اعتداء على المنشآت والأفراد.

كما انتقدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، القرار الأمريكي، في موقف يعكس اتساع الجدل الدولي حول استخدام قوانين الإرهاب ضد حركات احتجاجية مرتبطة بالقضية الفلسطينية.

إلى أين تتجه المواجهة؟

المعركة المقبلة لن تكون مالية فقط. فقرار واشنطن يضع «فلسطين أكشن» في مواجهة مع أكبر قوتين سياسيتين وأمنيتين في الغرب، بينما تستعد الحركة في بريطانيا لمعركة أمام المحكمة العليا.

والسؤال الأهم سيكون: هل تنجح الولايات المتحدة وبريطانيا في تثبيت وصف «الإرهاب» قانونياً وسياسياً، أم تتحول القضية إلى اختبار تاريخي لحدود حرية الاحتجاج؟

فإذا أيد القضاء البريطاني الحظر، ثم استمر الضغط الأمريكي، فقد يصبح نموذج «فلسطين أكشن» سابقة للتعامل مع جماعات احتجاجية عابرة للحدود. أما إذا انتصرت الحركة في معركتها القضائية، فقد تعود قضية تصنيفها إلى نقطة الصفر، ويصبح السؤال ليس فقط عن أساليبها، بل عن حدود سلطة الحكومات في استخدام قوانين الإرهاب ضد الحركات السياسية.

وفي الحالتين، فإن القرار الأمريكي يكشف أن المعركة حول فلسطين لم تعد تدور في ساحات الحرب والسياسة الخارجية فقط، بل امتدت إلى المصارف، والمحاكم، وشركات الدفاع، وحرية التعبير، وتعريف الإرهاب نفسه. وهذا ما يجعل «فلسطين أكشن» واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العلاقة بين الاحتجاج السياسي والأمن القومي في الغرب خلال المرحلة المقبلة.

اترك تعليقا