«المنبوذ الاقتصادي».. واشنطن تحاصر إيران وطهران تتحدى الخنق

في رسالة تجمع بين الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري

دخل الصراع الأمريكي الإيراني مرحلة جديدة، بعدما انتقلت واشنطن من الضغط العسكري والعقوبات التقليدية إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية المحيطة بإيران بالكامل. فقد أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إطلاق عملية «المنبوذ الاقتصادي»، واصفًا إياها بأنها حملة واسعة تهدف إلى قطع شرايين التمويل والتجارة التي ما زالت تمنح طهران قدرة على الصمود. وشملت الدفعة الأولى نحو 60 فردًا وكيانًا وسفينة مرتبطة بإيران وشبكات الالتفاف على العقوبات، مع استهداف قطاعات الذهب والتكنولوجيا والأصول الرقمية والطيران والشحن.

ويأتي التصعيد في وقت يصف فيه وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث الاقتصاد الإيراني بأنه في حالة «انهيار مستمر»، مؤكدًا وجود تنسيق مباشر مع بيسنت لفرض ضغط اقتصادي هائل على طهران. كما شدد على أن الولايات المتحدة تملك القدرة على التحرك في مضيق هرمز، في رسالة تجمع بين الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري.

لكن «المنبوذ الاقتصادي» لا يستهدف إيران وحدها؛ فجوهر الاستراتيجية الأمريكية هو ملاحقة الوسطاء والشركات والبنوك والدول التي تساعد طهران على تحويل النفط إلى إيرادات أو الوصول إلى النظام المالي العالمي. وهنا تكمن نقطة الاختبار الأساسية: الصين.

الصين.. الحلقة الأصعب

تظل بكين الشريان التجاري الأهم لإيران، خصوصًا في مجال النفط. ووفق بيانات نقلتها رويترز، تراجعت شحنات النفط الإيراني إلى الصين في أغسطس إلى نحو 534 ألف برميل يوميًا، مقارنة بـ823 ألف برميل في يوليو، لكنها ظلت قادرة على الوصول إلى السوق الصينية عبر شبكات معقدة وشركات تكرير مستقلة وتسويات بالعملة الصينية.

وترى مايا نيكولادزه، من المجلس الأطلسي، أن بكين تمثل «أكبر سؤال» في نجاح العملية الأمريكية، لأن استهداف المؤسسات الصينية الكبرى قد يحول العقوبات من حملة ضد إيران إلى مواجهة اقتصادية أمريكية صينية أوسع.

ويذهب دانيال فريد، المسؤول الأمريكي السابق والباحث في المجلس الأطلسي، إلى تقييم أكثر تحفظًا؛ إذ يرى أن الإجراءات المعلنة ليست ضربة اقتصادية حاسمة، بل «طلقة تحذيرية»، مشيرًا إلى أن توجيه ضربة قاصمة للاقتصاد الإيراني سيتطلب استهداف شركات وبنوك صينية كبرى، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

في المقابل، يرى أندرو بيك أن قوة العقوبات الأمريكية لا تأتي فقط من حجم الإجراءات، بل من اعتقاد الشركات الأجنبية بأن إدارة ترامب مستعدة فعلًا لمعاقبتها إذا واصلت التعامل مع إيران. ولذلك فإن التحدي الحقيقي، بحسب تقديره، هو تحويل التهديد إلى تنفيذ متماسك وسريع.

طهران ترفض الاستسلام

إيران لم تتعامل مع العملية باعتبارها مجرد إجراء اقتصادي، بل باعتبارها جزءًا من معركة استراتيجية تستهدف إرغامها على تقديم تنازلات سياسية وعسكرية. فقد توعد مسؤولون إيرانيون بالرد على الدول التي تنضم إلى الحملة الأمريكية، بينما أكد وزير الاقتصاد علي مدني زاده أن طهران مستعدة لتحمل الضغوط، مشيرًا إلى أن الصين وروسيا لا تدعمان الإجراءات الأمريكية.

أما رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف فرفض التهديدات الأمريكية، مؤكدًا أن شركاء إيران التجاريين لا يأخذونها على محمل الجد. كما اعتبر مسؤولون إيرانيون آخرون التصعيد الاقتصادي اعترافًا بفشل الخيار العسكري في تحقيق أهدافه.

وفي الاتجاه الأكثر خطورة، لوّح مسؤولون إيرانيون بإجراءات عسكرية وأمنية إذا استمرت الضغوط، بما في ذلك استهداف المصالح الأمريكية أو مصالح الدول التي تساعد واشنطن. وحذر محسن رضائي من أن انضمام دول الخليج إلى الحرب الاقتصادية قد يؤدي إلى منع خروج النفط من الخليج ومضيق هرمز.

اقتصاد يتآكل.. لكن النظام لم يسقط

لا يعني رفض طهران للعقوبات أن اقتصادها بمنأى عن آثارها. فقد وصل الريال الإيراني إلى مستويات قياسية من التراجع، فيما ارتفع التضخم وتراجعت إيرادات النفط وتقلصت قدرة الشركات على الحصول على العملة الصعبة. وتشير تقديرات نقلتها «أكسيوس» إلى أن الريال تجاوز مليوني ريال مقابل الدولار في السوق غير الرسمية، بينما يتوقع صندوق النقد الدولي تضخمًا يقارب 69% خلال عام 2026.

لكن التاريخ الإيراني يقدم تحذيرًا لواشنطن. فقد تعرضت طهران لأكثر من عقدين من العقوبات والضغط الاقتصادي، ومع ذلك لم يؤد ذلك إلى انهيار النظام. ويؤكد خالد عظيم، مدير مختبر مستقبل الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، أن المشكلة ليست فقط في قدرة العقوبات على إيلام إيران، بل في السؤال عما إذا كانت ستنتج هدفًا سياسيًا واضحًا. ويرى أن واشنطن وطهران دخلتا في «سباق نحو القاع»، حيث يواصل الطرفان رفع تكلفة الصراع دون تحقيق حسم استراتيجي.

أما جوناثان بانيكوف فيرى أن العملية ستزيد بالفعل كلفة تعامل إيران مع الاقتصاد العالمي، لكنها قد تكون أقل تأثيرًا مما توحي به اللهجة الأمريكية، بسبب خبرة طهران الطويلة في نقل معاملاتها إلى قنوات بديلة وشركات واجهة وشبكات مالية غير تقليدية.

التحدي الأكبر: ماذا تريد واشنطن؟

تكمن إحدى مشكلات «المنبوذ الاقتصادي» في غموض النتيجة النهائية. هل تريد واشنطن إسقاط النظام؟ أم إجبار طهران على التفاوض؟ أم وقف قدرتها على تمويل الحرب؟ أم إعادة فتح مضيق هرمز؟

توماس وارّيك، من المجلس الأطلسي، يرى أن نجاح الحملة يتطلب استمرارًا لسنوات، وليس مجرد موجة عقوبات قصيرة. كما يشير إلى أن تحقيق عزل كامل لإيران سيكون صعبًا من دون تعاون صيني حقيقي.

وتزداد الصعوبة مع احتمال أن يؤدي الضغط على الدول الخليجية إلى نتائج عكسية. فبحسب تحليل المجلس الأطلسي، قد يؤدي امتثال دول مثل الإمارات للضغط الأمريكي إلى رد إيراني يستهدف بنيتها التحتية، بينما يؤدي رفضها إلى تعرضها للعقوبات الأمريكية. وهكذا تتحول دول المنطقة إلى ساحة صراع بين واشنطن وطهران.

التوقعات.. خنق تدريجي لا انهيار سريع

السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار سياسة الخنق الاقتصادي تدريجيًا، بالتوازي مع إبقاء الخيار العسكري حاضرًا. وقد أعلنت واشنطن بالفعل أنها قد تستهدف مؤسسة مالية كبرى خلال الأيام المقبلة، ما يعني أن العملية الحالية قد تكون المرحلة الأولى فقط.

لكن انهيار الاقتصاد الإيراني لا يعني بالضرورة انهيار النظام. فطهران تملك خبرة واسعة في الالتفاف على العقوبات، كما أن الصين ما زالت تمثل منفذًا مهمًا، بينما قد تدفع الضغوط الاقتصادية القيادة الإيرانية إلى مزيد من التصعيد بدل تقديم تنازلات.

وفي المقابل، إذا قررت واشنطن الانتقال من العقوبات الرمزية إلى استهداف البنوك والشركات الصينية الكبرى، فقد تصبح «المنبوذ الاقتصادي» نقطة تحول في الحرب، لكنها ستكون أيضًا بداية مواجهة اقتصادية أوسع بين واشنطن وبكين.

وبذلك تبدو المعركة الجديدة أقرب إلى اختبار قدرة على التحمل منها إلى ضربة قاضية. الولايات المتحدة تراهن على أن الاقتصاد الإيراني لم يعد يحتمل جولة أخرى، وإيران تراهن على أن واشنطن لن تتحمل كلفة عزلها الكامل. وبين الرهانين يبقى مضيق هرمز، والنفط الصيني، وشبكات الالتفاف المالي، المفاتيح الثلاثة التي ستحدد ما إذا كان «المنبوذ الاقتصادي» سيصبح أداة تفاوض فعالة أم مجرد جولة جديدة من حرب استنزاف طويلة.

اترك تعليقا