التوترات تتصاعد قبيل الموعد النهائي لنزع السلاح في العراق

بعض الفصائل تتراجع عن دعمها الأولي للمبادرة

الرائد| مع اقتراب الموعد النهائي الذي حددته حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي لوضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة، تصاعدت التوترات في العراق. فبينما تُصر بعض الفصائل على رفضها تسليم أسلحتها، بدأت فصائل أخرى بالتراجع عن دعمها السابق لمبادرة الحكومة لنزع السلاح. أما الفصيل الثالث فيسعى لتهدئة الأوضاع، ويحث السلطات على عدم الإصرار على الموعد النهائي في نهاية سبتمبر.

مع ذلك، يبدو الزيدي مصمماً على التمسك بموقفه، حتى لو كلفه ذلك حياته. فقد بثّت قناة العراقية، القناة الرسمية للدولة، إعلاناً مؤثراً يدعو إلى تسليم الأسلحة، مؤكداً على قوة الجيش العراقي. أثار هذا الإعلان موجة من التصريحات التصعيدية من معارضي ومؤيدي المبادرة. وفي غضون أيام، وردت أنباء عن مؤامرة لاغتيال فائق زيدان، رئيس المجلس الأعلى للقضاء العراقي، تلتها أنباء عن اعتقال عباس اليعقوبي، مسؤول المخابرات في قوات الحشد الشعبي المسؤول عن حزام بغداد.

حتى الآن، لم تكن الأحداث في صالح الزيدي. فالإطار التنسيقي، وهو التحالف السياسي الذي يدعم حكومته، يضم فصائل ذات آراء متباينة بشدة حول الجهود المبذولة لوضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة. وقد أعلن بعض الفصائل استعدادهم للتخلي عن أسلحتهم مقابل الحفاظ على مكاسبهم السياسية، آملين في استبدال أسلحتهم بتمثيل وزاري في الحكومة.

أعلن آخرون صراحةً رفضهم تسليم أسلحتهم، لا سيما بعد استبعادهم من توزيع الحقائب الوزارية. وقد عبّر أبو علاء الولي، الأمين العام لكتائب سيد الشهداء وأحد الشخصيات البارزة في إطار التنسيق، عن ذلك بوضوح قائلاً: “من أراد تسليم سلاحه، فنحن مستعدون لشرائه”. ويؤيد عدد قليل من أعضاء إطار التنسيق جهود الحكومة لفرض سيطرتها على الأسلحة، إلا أن أصواتهم ظلت مكبوتة إلى حد كبير.

خارج الإطار التنسيقي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فكتائب حزب الله في العراق وحركة النجباء لا تزالان تُصرّان على رفضهما تسليم أسلحتهما للدولة. وفي بيان نُشر على موقع X، وصف مسؤول أمني في كتائب حزب الله تصريحات الزيدي بشأن وضع الأسلحة تحت سيطرة الدولة بأنها “مجرد تبجح فارغ”.

وقال إن المجموعة تحملت مئة يوم من هذا الخطاب “على أمل أن يُدرك الحقائق المحلية والإقليمية والدولية الحاكمة، وأن يستمع إلى نصائح السياسيين المخضرمين”. كما أثار البيان إمكانية تطبيق مبدأ “العين بالعين، والمعتدي يتحمل اللوم الأكبر”.

قبل ذلك التصريح، كتب الشيخ أكرم الكعبي، الأمين العام لحركة النجباء، في موقع X أن مهمة “أسلحة المقاومة” تتجاوز مجرد مواجهة الوجود العسكري الأمريكي في العراق. وأوضح أن هدفها يشمل أيضاً مقاومة “المشروع الأمريكي الخبيث”، الذي يتمثل هدفه الرئيسي في “سرقة ونهب ثروات العراق تحت ستار ما يُسمى بالاستثمار”. وأضاف أن مواجهة هذا المشروع “من أهم واجبات المقاومة العراقية”.

ثم تدخل هادي العامري، الأمين العام لمنظمة بدر، في محاولة لتهدئة التوترات. وفي بيان له، حثّ جميع الأطراف على تبني خطاب الاعتدال وخفض التصعيد، وتجنب المواقف التأجيجية. وحذّر رئيس الوزراء ورجال المقاومة من عواقب الأحكام المتسرعة أو غير المدروسة أو الاستفزازية، ودعا إلى وضع حدّ للغة التصادمية غير المبررة المستخدمة في بعض التصريحات والملاحظات والظهور الإعلامي.

هدفان متتاليان

لم يعد بالإمكان فهم مشكلة القوات المسلحة العاملة بموازاة الدولة العراقية على أنها مجرد فشل للنظام السياسي في احتكار العنف المنظم عبر مؤسساته الرسمية. ومع ذلك، يبقى هذا الفشل أحد أبرز مؤشرات هشاشة الدولة. في الواقع، ربما كان إنشاء قوة مسلحة موازية للدولة من بين الأهداف الرئيسية التي وضعتها الجهات الفاعلة الداخلية والخارجية التي أنشأت هذه التشكيلات، ظاهريًا لحماية سلطتها.

للأسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة وظيفة أخرى، متجذرة في التفكير الاستراتيجي لصناع القرار الإيرانيين، ومحورية في مفهوم إيران للأمن القومي. تشكل هذه الجماعات المسلحة جزءًا من “حلقات النار” التي تسعى طهران من خلالها إلى تطويق خصومها الإقليميين. وإذا ما تحول التنافس والصراع السياسي إلى حرب، فستصبح هذه الأسلحة من أهم أدوات إيران.

تجلّى هذا الأمر بوضوحٍ خاص بعد حرب الأيام الاثني عشر، وفي خضمّ الصراع المستمر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. فقد تلقّت إيران ضربةً قاسيةً لنفوذها وهيمنتها في سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد. وفي الوقت نفسه، أُضعف حزب الله، حليفها اللبناني، إضعافاً بالغاً. وقد ترك هذا طهران في مواجهة الحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة في العراق. وحتى الآن، تدير إيران كلا الجبهتين وفق المبدأ نفسه: فتح جبهات دعم واستدراجها إلى المواجهة بشروطٍ تختارها طهران.

منذ اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بات الدور الخارجي للفصائل المسلحة العراقية يُحرج الدولة العراقية بشكل متزايد، ويتعدى على سلطة الحكومة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالحرب والسلام. وقد تلقت الحكومة السابقة، والحكومة الحالية، احتجاجات رسمية من دول الخليج المجاورة بسبب هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ التي انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت منشآت حيوية وبنية تحتية للطاقة.

وكما يحدث غالباً، ترد الحكومة بتشكيل لجان تحقيق لا تُفضي أعمالها عادةً إلى أي نتيجة. ونادراً ما يتم تحديد هوية الجماعات المسلحة المسؤولة عن هذه الهجمات، ونادراً ما تُعلن أسماؤها.

وبالتالي، فإن الفصائل التي تقف وراء الهجمات على دول المنطقة قد وجهت رسالة واضحة للحكومة العراقية: بإمكانهم إحراجها أمام الرأي العام المحلي والدول التي تربطها ببغداد مصالح استراتيجية، وذلك ببساطة عن طريق اختيار الوقت المناسب لشن هجمات مسلحة ضد جيران العراق.

قد تُتيح الردود على تلك الهجمات، بما في ذلك العمليات العسكرية السعودية والأمريكية ضد مقرات الحشد الشعبي، إلى جانب تحذيرات سوريا والأردن ودول الخليج من أنها سترد بالقوة على الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة في العراق على أراضيها، لحكومة الزيدي نفوذاً مهماً. إذ يُمكنها استغلال هذا الضغط الإقليمي لمواجهة الفصائل المسلحة التي تُقوّض أنشطتها مكانة الدولة لدى جيرانها وسلطتها على الأمن والسياسة الخارجية.

اتخذت سبع دول عربية – السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن وسوريا – موقفاً واضحاً ضد الهجمات التي انطلقت من العراق واستهدفت دولاً في المنطقة ومنشآتها وبنيتها التحتية. ووصفت هذه الدول هذه الهجمات بأنها أعمال عدوانية.

سعت الحكومات العراقية المتعاقبة جاهدةً لتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية مع الدول السبع. إلا أنه خلال الحرب الحالية، بات عجز الحكومة عن الحفاظ على المكاسب التي تحققت في السنوات السابقة واضحاً بشكل متزايد.

يكمن جوهر المشكلة في تناقضٍ جوهريٍّ في علاقات العراق مع جيرانه. فالحكومة العراقية تتواصل مع الدول العربية والإقليمية عبر الشراكة والتعاون، ساعيةً إلى تحقيق مصالح مشتركة، وتتوقع منها في المقابل أن تعاملها كممثلٍ رسميٍّ للدولة. إلا أنه عندما تُوجِّه الجماعات المسلحة تهديداتٍ ضدّ تلك الدول نفسها، يبدو العراق وكأنه ذو وجهين لا وجه واحد.

يزور المسؤولون العراقيون بانتظام الدول المجاورة، ويوقعون مذكرات تفاهم، ويعززون التعاون الاقتصادي والأمني. وإلى جانب هذه الدبلوماسية، يبرز خطاب مختلف تماماً: خطابات تحرض على العداء وتهدد باستخدام القوة ضد تلك الدول نفسها.

لقد فاقمت الأحزاب السياسية والمسؤولون الحكوميون المشكلة باستخدام مصطلحات مراوغة. لم يعد إصرارهم على التمييز بين قوات الحشد الشعبي، الخاضعة رسميًا للقائد العام للقوات المسلحة، و”الفصائل المسلحة” العاملة ضمن ما يُسمى “محور المقاومة” الإيراني، ذا مصداقية أو إقناع. ويقتصر دور هذا التمييز الآن على تسليط الضوء على الارتباك السائد في الخطاب السياسي العراقي.

لا تزال القوى السياسية العراقية تعيش حالة إنكار، رافضةً الاعتراف بالواقع المحيط بها. وتعلن الفصائل المسلحة جهاراً أن الوقت قد حان لدخول أسلحتها المعركة، معلنةً ولاءها لقضية تتجاوز حدود الدولة ولا تعترف بمبدأ السيادة. في المقابل، تواصل الحكومة التأكيد على التزامها بـ”حصر السلاح في أيدي الدولة”.

تؤمن العديد من الجماعات المسلحة، إما إيماناً حقيقياً أو عمداً، بفكرة أن أسلحتها ضرورية لمواجهة خطر خارجي قد ينجم عن تغيير سياسي في سوريا. وتستحضر هذه الجماعات ذكرى سقوط ثلاث محافظات عراقية في يد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عام ٢٠١٤. كما تزعم أنه يجب عليها الدفاع عن العراق ما دامت الحكومة عاجزة عن حماية البلاد من أي هجوم.

موعد نهائي ذو أهمية

بالنسبة لحكومة الزيدي، التي أبدت عزماً كبيراً على إخضاع أسلحة البلاد لسيطرة الدولة، قد يكون الخيار المتبقي هو المواجهة الحاسمة لاستعادة سلطة الدولة وقدرتها على فرض الأمن. لكن من شبه المؤكد أن المواجهة مع قوى تعمل بموازاة الدولة ستُكبّدها ثمناً باهظاً.

إذا تعثرت الحكومة أو تراجعت بعد 30 سبتمبر/أيلول، وهو الموعد النهائي لوضع الأسلحة تحت سيطرة الدولة، فقد تكون العواقب وخيمة. فقد يُلحق هذا التراجع ضرراً بمكانتها لدى الولايات المتحدة، فضلاً عن جيرانها الإقليميين. قد يكون استعادة الدولة العراقية وإنهاء المنطقة الرمادية المستمرة بين سلطة الدولة والسلطة غير الحكومية مكلفاً للغاية، ولكن يبقى أن نرى ما إذا كان العراقيون مستعدين لدفع هذا الثمن.

اترك تعليقا