ترامب يصعّد حربه الاقتصادية على إيران

العقوبات تصطدم بالنفط والصين وهرمز

دخلت المواجهة الأمريكية-الإيرانية مرحلة جديدة مع انتقال واشنطن إلى توسيع نطاق الضغط الاقتصادي على طهران، في محاولة لتجفيف مصادر الإيرادات التي تعتمد عليها الجمهورية الإسلامية في تمويل اقتصادها وشبكاتها الإقليمية وبرنامجها العسكري والنووي.

ويعيد هذا التصعيد إلى الواجهة استراتيجية «الضغط الأقصى» التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، عندما انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018 وأعادت فرض عقوبات واسعة على الاقتصاد الإيراني.

لكن الظروف التي تتحرك فيها الإدارة الأمريكية اليوم تختلف بصورة كبيرة عن تلك التي سبقت الجولة الأولى من العقوبات. فإيران أصبحت أكثر خبرة في الالتفاف على القيود المالية والنفطية، بينما تحولت الصين إلى شريان أساسي لتجارة النفط الإيراني، في وقت بات فيه مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية قادرة على التأثير في أسواق الطاقة العالمية.

ومن هنا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت العقوبات ستؤلم الاقتصاد الإيراني، وإنما هل تستطيع واشنطن تحويل هذا الضغط الاقتصادي إلى تنازلات سياسية واستراتيجية من طهران؟

«الضغط الأقصى».. نسخة أكثر صرامة

تعتمد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة على توسيع استخدام العقوبات الثانوية، وهي الآلية التي تسمح لواشنطن بمعاقبة الشركات والبنوك الأجنبية التي تتعامل مع الجهات الإيرانية الخاضعة للعقوبات.

وتستهدف هذه السياسة بالدرجة الأولى مصادر الدخل التي يصعب على إيران الاستغناء عنها، وعلى رأسها صادرات النفط وشبكات الشحن والتحويلات المالية والوسطاء التجاريون.

وقد كثفت وزارة الخزانة الأمريكية خلال 2026 استهداف شبكات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، بما في ذلك أفراد وكيانات قالت واشنطن إنها تساعد الحرس الثوري الإيراني في بيع النفط وشحنه إلى الصين.

وتكشف هذه الخطوة عن تحول مهم في طريقة تنفيذ العقوبات؛ فبدل الاكتفاء بملاحقة المؤسسات الإيرانية، تحاول واشنطن ضرب الحلقة الخارجية التي تسمح للاقتصاد الإيراني بالاستمرار.

وهنا تظهر قوة العقوبات الأمريكية: الوصول إلى النظام المالي العالمي لا يزال أحد أهم مصادر النفوذ الاقتصادي لواشنطن.

لكن هذه القوة نفسها تواجه اختبارًا صعبًا عندما يتعلق الأمر بدول كبرى لا تنظر إلى العقوبات الأمريكية باعتبارها ملزمة سياسيًا.

الصين.. الثغرة الأكبر في جدار العقوبات

تظل الصين العامل الأكثر أهمية في تحديد مدى قدرة واشنطن على خنق الاقتصاد الإيراني.

وبحسب وزارة الخزانة الأمريكية، تستحوذ الصين على نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، وهو ما يجعل السوق الصينية منفذًا حيويًا لطهران، وفي الوقت ذاته نقطة المواجهة الرئيسية بين واشنطن وبكين في ملف العقوبات.

وتعتمد طهران على شبكة معقدة من الشركات والوسطاء والسفن والمصافي المستقلة لتسويق النفط، بينما تستفيد المصافي الصينية من شراء الخام الإيراني بأسعار أقل من أسعار السوق العالمية.

وهذه المعادلة تمنح الطرفين مصلحة مشتركة في استمرار التجارة.

فإيران تحصل على النقد الذي تحتاجه، بينما تحصل المصافي الصينية على نفط بأسعار تنافسية.

لذلك، فإن نجاح واشنطن في إغلاق هذا المسار يتطلب أكثر من مجرد إصدار قوائم عقوبات جديدة؛ بل يحتاج إلى قدرة على تعقب السفن والشركات والتحويلات المالية وفرض تكلفة حقيقية على الجهات التي تواصل التعامل مع طهران.

وهنا تصبح المسألة اقتصادية وسياسية في الوقت نفسه، لأن الضغط على المصافي الصينية قد يتحول سريعًا إلى مواجهة أوسع بين واشنطن وبكين.

تجربة 2018.. العقوبات أوجعت إيران لكنها لم تُسقط استراتيجيتها

الرهان الأمريكي الحالي يستند جزئيًا إلى تجربة ترامب السابقة.

فبعد الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، فرضت الولايات المتحدة واحدة من أوسع حزم العقوبات الاقتصادية على إيران، واستهدفت قطاعات النفط والبنوك والصناعة والنقل.

وتسببت العقوبات في تراجع حاد في الإيرادات النفطية الإيرانية وضغطت بقوة على العملة والاقتصاد.

لكن النتيجة السياسية لم تكن كما أرادت واشنطن.

فبدل العودة سريعًا إلى الاتفاق النووي بشروط أمريكية، اتجهت إيران تدريجيًا إلى تقليص التزاماتها النووية، ورفعت مستويات تخصيب اليورانيوم بصورة كبيرة، وواصلت تطوير قدراتها الصاروخية ودعم حلفائها في المنطقة.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في استراتيجية «الضغط الأقصى»:

يمكن للعقوبات أن تجعل إيران أضعف اقتصاديًا دون أن تجعلها أكثر استعدادًا للاستسلام سياسيًا.

بل إن الضغط الشديد قد يدفع النظام إلى تبني سياسات أكثر تشددًا، خصوصًا عندما يرى أن تقديم التنازلات لا يضمن رفع العقوبات أو إنهاء المواجهة.

من الاقتصاد إلى الأمن.. سلاح هرمز

لا يمكن تحليل الحرب الاقتصادية على إيران بعيدًا عن مضيق هرمز.

فالمضيق يمثل إحدى أهم نقاط الاختناق في سوق الطاقة العالمي، وتعتمد نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز في الخليج على المرور عبره.

ووفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مر عبر المضيق خلال النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميًا من النفط والسوائل النفطية، بما يعادل قرابة خمس الاستهلاك العالمي من هذه المنتجات.

وتعني هذه الأرقام أن أي اضطراب كبير في الملاحة عبر هرمز لن يكون مشكلة إيرانية-أمريكية فقط، بل أزمة عالمية في الطاقة.

ولهذا فإن العقوبات تحمل مفارقة استراتيجية.

كلما نجحت واشنطن في خنق الاقتصاد الإيراني، زادت الحوافز أمام طهران لاستخدام أوراق الضغط التي تمتلكها في المنطقة.

ومن أبرز هذه الأوراق الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، إضافة إلى الصواريخ والطائرات المسيرة وشبكات الحلفاء الإقليميين.

وهذا يجعل «الحرب الاقتصادية» أقل انفصالًا عن الخيار العسكري مما تبدو عليه في الخطاب السياسي.

هل تستطيع إيران الصمود؟

تملك إيران خبرة طويلة في العمل تحت العقوبات.

وخلال السنوات الماضية طورت طهران آليات للتجارة غير المباشرة، واستخدمت شركات واجهة ووسطاء وشبكات شحن معقدة، كما عززت علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا ودول أخرى خارج المنظومة الغربية.

لكن ذلك لا يعني أن إيران محصنة ضد العقوبات.

فالاقتصاد الإيراني يعاني بالفعل من اختلالات هيكلية، وتضخم، وضغوط على العملة، وتراجع في القدرة الشرائية، ومشكلات مزمنة في الاستثمار والإنتاج.

وبالتالي، فإن تشديد العقوبات يمكن أن يفاقم هذه الأزمات بصورة ملموسة.

لكن السؤال السياسي يظل مختلفًا:

هل يصل الضغط إلى نقطة تجعل تكلفة استمرار النظام أعلى من تكلفة تقديم تنازلات؟

لا توجد إجابة مؤكدة حتى الآن.

الورقة النووية.. الخطر الأكبر

تمثل القضية النووية أخطر نقطة في معادلة الضغط الأمريكي.

فإذا شعرت القيادة الإيرانية بأن العقوبات تهدف إلى تغيير النظام أو إسقاطه وليس فقط تعديل سلوكه، فقد تصبح أكثر استعدادًا لاستخدام برنامجها النووي كورقة ردع وتفاوض.

وهنا قد تدخل الأزمة في دائرة تصعيد متبادل:

واشنطن تزيد العقوبات.

طهران ترفع مستوى التخصيب أو تقلص التعاون مع المفتشين الدوليين.

واشنطن تفرض عقوبات جديدة.

إيران ترد بتوسيع نشاطها النووي أو باستخدام أوراقها الإقليمية.

وبدل أن تؤدي العقوبات إلى اتفاق، تتحول إلى محرك لتسريع التصعيد.

وهذا هو السيناريو الذي تخشاه دوائر سياسية وأمنية في الغرب: أن يؤدي الضغط الاقتصادي إلى تقليص مساحة الدبلوماسية بدل توسيعها.

الاختبار الحقيقي لترامب

المشكلة التي تواجه ترامب ليست في قدرته على فرض العقوبات.

فالولايات المتحدة تمتلك أدوات مالية لا تملكها معظم دول العالم.

المشكلة هي تحويل القوة الاقتصادية إلى نتيجة سياسية قابلة للقياس.

وهذا يتطلب تحقيق عدة أهداف في الوقت نفسه:

  • خفض الإيرادات النفطية الإيرانية.
  • تضييق قنوات التحويل المالي.
  • إجبار الشركات الأجنبية على الالتزام بالعقوبات.
  • الحفاظ على التعاون الدولي، أو على الأقل منع الصين من تعويض الخسائر الإيرانية بالكامل.
  • منع ارتفاع أسعار الطاقة إلى مستويات تضر بالاقتصاد الأمريكي.
  • إبقاء الباب مفتوحًا أمام مسار تفاوضي يمنح طهران حافزًا للتراجع.

وهذه معادلة شديدة الصعوبة.

فالعقوبات الأكثر قسوة قد تزيد الضغط على إيران، لكنها قد تزيد أيضًا احتمالات التصعيد في الخليج.

الخلاصة.. العقوبات تستطيع الخنق لكنها لا تضمن الركوع

تملك إدارة ترامب القدرة على جعل الحياة الاقتصادية في إيران أكثر صعوبة، وربما دفع طهران إلى مواجهة أكبر أزمة اقتصادية منذ سنوات.

لكن التاريخ القريب يقدم تحذيرًا واضحًا: الألم الاقتصادي لا يتحول تلقائيًا إلى استسلام سياسي.

فخلال تجربة «الضغط الأقصى» الأولى، نجحت واشنطن في إضعاف الاقتصاد الإيراني، لكنها لم تحقق هدفها النهائي المتمثل في انتزاع اتفاق جديد أكثر تشددًا من الاتفاق النووي.

واليوم تواجه الولايات المتحدة إيران أكثر خبرة في التعامل مع العقوبات، وشبكة اقتصادية أعمق مع الصين، وقدرة أكبر على استخدام أوراق الطاقة والملاحة والتصعيد الإقليمي.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي أمام ترامب ليس في حجم العقوبات التي يستطيع إعلانها، وإنما في قدرته على الإجابة عن سؤال أكثر تعقيدًا:

كيف يتحول الخنق الاقتصادي إلى اتفاق، بدل أن يتحول إلى حرب أوسع؟

إذا لم تمتلك واشنطن إجابة واضحة، فقد تتكرر النتيجة التي شهدتها الجولة الأولى من «الضغط الأقصى»: اقتصاد إيراني أكثر إنهاكًا، لكن نظامًا أكثر تشددًا، وبرنامجًا نوويًا أكثر خطورة، ومنطقة أكثر قابلية للاشتعال.

اترك تعليقا