قانون التعدين الجديد بمالي.. بين استرداد الذهب وإنهاء احتكار الشركات الأجنبية؟

يعيد باماكو شريكا اساسيا في سوق المعدن الأصفر

الرائد :يمثل الذهب بالنسبة إلى مالي أكثر من مجرد ثروة معدنية؛ فهو أحد أعمدة الاقتصاد الوطني ومصدر رئيسي للعملة الصعبة والإيرادات العامة.

ولذلك اتجهت السلطات المالية خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة صياغة العلاقة مع شركات التعدين الأجنبية، في محاولة لزيادة حصة الدولة من عائدات الذهب وتعزيز السيطرة الوطنية على القطاع.

لكن السؤال الأكثر تعقيدًا هو: هل تستطيع باماكو الانتقال من مجرد زيادة نصيبها من الأرباح إلى إدارة صناعة الذهب بنفسها، وإنهاء الاعتماد على الشركات الأجنبية،

وفي الوقت نفسه القضاء على تهريب الذهب الذي يحرم الخزانة من عائدات ضخمة؟

ذهب مالي وتقارير صندوق النقد

تأتي هذه المعركة في وقت بالغ الأهمية. فبيانات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن قطاع التعدين يمثل نحو 10% من الناتج المحلي المالي، وأكثر من 80% من الصادرات، ونحو 25% من الإيرادات المالية، فيما تنتج الشركات ذات الملكية الأجنبية القسم الأكبر من الذهب.

ومن المهم الإشارة إلي أن قانون التعدين لذي أقرته البلاد في 2023 ودخلت قواعده التنفيذية حيز التطبيق لاحقًا.يعد من أهم أدوات مالي في هذا الاتجاه

حيث يمنح القانون الدولة حصة مجانية تبلغ 10% في مشروعات التعدين الجديدة، مع إمكانية شراء 20% إضافية خلال أول عامين من الإنتاج التجاري، فضلًا عن إمكانية حصول المستثمرين الماليين المحليين على حصة تصل إلى 5%.

وبذلك يمكن أن تصل المشاركة المالية للدولة والمصالح المالية المحلية إلى 35% في المشروعات الجديدة، مقابل نحو 20% في النظام السابق.

قانون التعدين وإلغاء الإعفاءات 
وهذه النسبة لا تعني، بطبيعة الحال، أن مالي أصبحت قادرة على تشغيل المناجم وحدها، لكنها تمنحها قدرة أكبر على الحصول على الأرباح والاطلاع على العمليات واتخاذ القرار داخل الشركات المشتركة.

كما ألغى القانون بعض الإعفاءات الضريبية وفرض التزامات أكبر على الشركات فيما يتعلق بالمحتوى المحلي والتنمية والبنية الأساسية وحماية البيئة.
وقد بدأت النتائج المالية في الظهور؛ إذ قال صندوق النقد الدولي إن التطبيق الكامل لقانون التعدين الجديد كان يمكن أن يولد نحو 761 مليار فرنك إفريقي من الإيرادات في 2025، أي ما يعادل نحو 4.4% من الناتج المحلي. كما أعلنت السلطات استرداد متأخرات ضريبية من شركات التعدين تقدر بنحو 1.2 مليار دولار.
إنهاء الاحتكار الأجنبي مسألة معقدة
أما   التحدي الحقيقي أمام مالي ليس إصدار القوانين وإنما امتلاك القدرات الفنية والمالية لإدارة صناعة تعدين ضخمة. فالشركات الدولية لا تقدم رأس المال فقط، وإنما تمتلك خبرة طويلة في الاستكشاف والحفر والمعالجة وإدارة المناجم، إلى جانب التكنولوجيا وشبكات التسويق العالمية.
ومن هنا فإن محاولة إخراج الشركات الأجنبية بصورة مفاجئة قد تؤدي إلى انخفاض الإنتاج بدلًا من زيادة العائدات. وهذا ما عكسته تجربة السنوات الأخيرة؛ فقد تراجع الإنتاج الصناعي من 66.5 طنًا في 2023 إلى 42.2 طنًا في 2025، بعد النزاع مع إحدى كبرى شركات التعدين وتعطل عملياتها. وتتوقع خطة وزارة المناجم أن يبلغ الإنتاج الصناعي 43.2 طنًا في 2026، ثم 51.2 طنًا في 2027 و57 طنًا في 2028 قبل أن يتراجع إلى 50 طنًا في 2029.
لذلك فإن الطريق الأكثر واقعية أمام باماكو ليس إلغاء الشركات الأجنبية، وإنما تحويلها تدريجيًا من مشغل مهيمن إلى شريك يعمل في إطار تفرض فيه الدولة شروطًا أكثر عدالة، مع بناء شركة تعدين وطنية قوية وتدريب الكوادر المالية والهندسية وتطوير قدرات محلية في معالجة الذهب وتسويقه.
الذهب غير المسجل والتهريب
أما القضية الأكثر حساسية فهي الذهب القادم من التعدين الحرفي والصغير. فقد كشفت السلطات المالية عن فروق كبيرة بين كميات الذهب التي تسجلها مالي رسميًا وكميات الذهب التي تعلن الدول المستوردة وصولها منها، ما دفع الحكومة إلى إنشاء هيئة حكومية جديدة لتنظيم تجارة الذهب الحرفي وزيادة الرقابة على مساراته.
فيما تشير تقديرات استندت إليها تقارير حديثة إلى أن الذهب المالي غير المعلن عنه في الصادرات ربما يتراوح بين 30 و57 طنًا سنويًا. ولذلك فإن الحديث عن «تهريب نحو 50 طنًا» ينبغي التعامل معه باعتباره تقديرًا لحجم الذهب غير المصرح به أو الفاقد من القنوات الرسمية، وليس بالضرورة واقعة واحدة تم فيها ضبط أو إثبات تهريب 50 طنًا في عملية محددة.
وهنا تكمن أهمية إصلاح التعدين الحرفي. فبدلًا من الاكتفاء بالملاحقة، تحتاج الدولة إلى إدخال المنتجين الصغار في الاقتصاد الرسمي، وتوفير نقاط شراء مرخصة وأسعار شفافة، وإلزام الوسطاء بتسجيل الكميات ومصدرها، وربط الإنتاج بالتصدير والبنوك والضرائب. وكلما أصبح البيع الرسمي أكثر سهولة وجاذبية، تقلصت مساحة السوق غير الرسمية.
 امتلاك أدوات الإدارة 
تمتلك مالي اليوم بعض الأدوات المهمة: قانون تعدين أكثر صرامة، حصة أكبر للدولة في المشروعات الجديدة، قدرة على مراجعة العقود، أجهزة جمركية ومالية، وهيئة جديدة لتنظيم تجارة الذهب الحرفي. لكن امتلاك الأدوات القانونية لا يعني امتلاك القدرة الكاملة على إدارة القطاع.
فالسيطرة الحقيقية تتطلب بناء سلسلة وطنية متكاملة تبدأ من الاستكشاف والاستخراج، مرورًا بالمعالجة والتكرير، وانتهاءً بالتسويق والتصدير. كما تحتاج إلى نظام دقيق لتتبع الذهب من المنجم إلى السوق، وإلى رقمنة التراخيص والإنتاج والصادرات، وتعزيز الرقابة على الحدود ومكافحة الفساد.
ومن المهم كذلك ألا تتحول الدولة من الاعتماد على شركات أجنبية إلى احتكار حكومي غير كفء. فالمشكلة ليست في جنسية الشركة وحدها، وإنما في مقدار القيمة التي تبقى داخل مالي، ومدى شفافية العقود، وحجم الضرائب والإتاوات، ونسبة العمالة المحلية، وقدرة الدولة على توجيه عائدات الذهب نحو التنمية.

تستطيع مالي بالفعل استعادة جزء أكبر من ثروتها الذهبية، وقد بدأت هذه العملية بالفعل من خلال قانون التعدين الجديد وتشديد الرقابة واسترداد المتأخرات وإنشاء آليات لتنظيم التعدين الحرفي.

لكن إنهاء الوجود الأجنبي بالكامل في المدى القريب ليس الخيار الأكثر واقعية، لأن الدولة لا تزال تحتاج إلى رأس المال والخبرة والتكنولوجيا التي توفرها الشركات الدولية.

الذهب خارج الأطر الرسمية 
أما المعركة الحاسمة فهي وقف تسرب الذهب خارج القنوات الرسمية. وإذا نجحت باماكو في دمج التعدين الحرفي في الاقتصاد الرسمي، وتتبع الذهب من موقع الاستخراج إلى التصدير، وتطوير قدراتها الوطنية في التعدين والتكرير والتسويق، فإنها تستطيع تحويل الذهب من مجرد سلعة تصدرها الشركات إلى رافعة حقيقية للاقتصاد المالي.
من هنا يمكن القول إن «استعادة الذهب» لا تعني بالضرورة طرد الشركات الأجنبية، بل تعني أن تصبح الدولة هي صاحبة القرار الأكبر، وأن تحصل مالي على نصيب عادل من القيمة، وأن تمنع خروج الذهب دون تسجيل أو ضرائب.

وتعد هذه المعادلة، أكثر من التأميم الكامل، تبدو الطريق الأكثر واقعية أمام باماكو لتحقيق سيادة اقتصادية حقيقية على ثروتها الذهب

اترك تعليقا