البحر مقابل النهر: معادلة التصعيد الإثيوبي على مصر
محمد سعد يكتب
- dr-naga
- 17 أغسطس، 2026
- مقالات وتحليلات
- أديس أبابا, إثيوبيا, البحر مقابل النهر, القاهرة, سدالنهضة, مصر, مصر والسودان, مياه نهر النيل
إثيوبيا تدفع مصر الآن إلى حافة الهاوية، وتفعل ذلك وهي ترفع الضغوط في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.
وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا يقول إن تدفق مياه النيل إلى مصر والسودان سيكون تحت “السيطرة” الإثيوبية، بينما تتحرك أديس أبابا لبناء سدود إضافية على النيل الأزرق. وهي سدود تُقدر السعة 140 مليار متر مكعب يعني تقريبا ضعف سعة سد النهضة البالغة 74 مليار متر مكعب.
دي مش مجرد خناقة قديمة على سد النهضة. ده تأسيس لقاعدة التحكم والتسيد على نهر دولي.
إثيوبيا انتقلت من الدفاع عن حقها في التنمية إلى الحديث صراحة عن السيطرة على تدفق نهر دولي يمثل لمصر، الواقعة في الحزام الصحراوي، مصدرها شبه الوحيد للمياه العذبة.
إثيوبيا هي الدولة الحبيسة الوحيدة التي أسمع عنها، على حسب معلوماتي، التي تتعامل مع حقيقتها الجغرافية كأنها خطيئة الأخرين عليهم حلها والتكفير عنها.
المثير أن الوزير الإثيوبي نفسه ربط قبل أيام بين النيل الأزرق والبحر الأحمر باعتبارهما مجالين استراتيجيين مترابطين لمستقبل بلاده. يعني حالة ابتزاز رسمي.
السردية الاستعمارية في رأس أديس أبابا: عندما تكون إثيوبيا دولة منبع، ترى أن الجغرافيا تعطيها حق التحكم في مياه الآخرين، وعندما تكون دولة حبيسة، ترى أن الجغرافيا تعطيها حقًا في بحر الآخرين. والفكرة تقوم على انه كلما تجد خطر داخلي تجاوزه بخلق صراع خارجي.
ثم تتهم مصر بـ”الاستعمارية”.
ودي واحدة من أكثر مفارقات الخطاب الإثيوبي إثارة للسخرية، لأن إثيوبيا بصورتها الجغرافية الحالية نفسها دولة تأسست عبر توسع استعماري واسع.
الحبشة التاريخية كانت أصغر بكثير من إثيوبيا الحالية. وفي أواخر القرن التاسع عشر، وفي الوقت نفسه تقريبًا الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتسابق للسيطرة على إفريقيا، كان منليك الثاني يشن حملات عسكرية واسعة جنوبًا وشرقًا وغربًا، يضم بالقوة ممالك وشعوبًا لم تكن خاضعة للدولة الحبشية، من كافا وولايتا إلى مناطق الأورومو وهرر ومناطق أخرى.
ولم يكن منليك يخجل أو يخفي أصلًا أنه يرى نفسه لاعبًا في عملية اقتسام إفريقيا.
في خطابه الشهير إلى القوى الأوروبية سنة 1891، قال ما معناه إنه إذا كانت القوى البعيدة جاءت لتقسيم إفريقيا فلن يقف هو متفرجًا، وقدم مطالب إقليمية هائلة وصلت في تصوره إلى الخرطوم وبحيرة فيكتوريا، وتحدث عن استعادة الساحل الذي اعتبره جزءًا من الحدود التاريخية لإثيوبيا. وهي الأزمة الاستعمارية العابرة للزمن والقافزة فوق الحدود.
ولم يتوقف الأمر عند منليك.
في القرن العشرين ألغى هيلا سيلاسي الاتحاد الفيدرالي مع إريتريا وضمها إلى إثيوبيا عام 1962، لتبدأ واحدة من أطول حروب التحرر في إفريقيا وتنتهي بعد ثلاثة عقود باستقلال إريتريا.
يعني إحنا أمام دولة لها تاريخ توسعي استعماري حقيقي، وليس مجرد ضحية بريئة للاستعمار الأوروبي كما تحب الرواية الرسمية الإثيوبية أن تقدم نفسها دائمًا. وتمد الخط على استقامته في اتهام مصر (المنكفئة على ذاتها) بالاستعمارية.
المشكلة أن إثيوبيا تفعل كل ذلك في لحظة انكماش مصري واضح.
سد النهضة بُني ومُلئ وشُغّل من دون الاتفاق الملزم الذي طالبت به القاهرة، فهل توقفت إثيوبيا عند ما حصلت عليه؟ لا.
المكافأة على الكمون كانت مزيدًا من الضغط: سدود أخرى، لغة “السيطرة” على تدفقات النيل، وتصعيد موازٍ في قضية الوصول إلى البحر الأحمر. تدفع إثيوبيا مصر للحافة وتستدعيها لمواجهة في معادلة البحر مقابل النهر.
وهنا الخطر.
لأن الطرف الذي يضغط عليك ولا يجد ضغطًا مضادًا لا يستنتج عادة أنك حكيم؛ يستنتج أن أمامه مساحة أخرى ليتقدم فيها.
إثيوبيا ترفع السقف مع مصر وإريتريا معًا، وتبدو مقتنعة بأن اللحظة الإقليمية تسمح لها بذلك.
وهذه لعبة لا يمكن لمصر أن تواجهها بمزيد من الكمون والانكماش.
السؤال لم يعد ماذا تريد إثيوبيا.
السؤال: هتوصل لغاية فين قبل ما تتصدم بالخط الأحمر المصري، وهل هناك فعلا خط أحمر وهل هناك قدرة على فرضه؟ ليس لدي إجابة.