اليوم التالي للمذبحة

تقادم الخطيب يكتب

يوم الخميس، 15 أغسطس 2013

اليوم التالي للمذبحة
استيقظت باكرا وخرجت للشارع، كنت أسكن حينها في المعادي؛ وظننت أنني سأجد الشوارع مكتظة والناس ترفض ما حدث، والساسة غاضبون ويحتجون ويقولون هذا لم نتفق عليه، لكنني وجدت الشوارع هادئة والناس مبسوطة، أحدهم يجلس علي المقهي ويتحدث إلي شخص في التليفون، قائلا: خلص عليهم في ساعة وشوية، والآخر يقول كنسهم زي الزبالة!! حينها هاتفت أحد السياسيين، فقال لي: قتلهم من جاء بهم (مقولة معاوية).
هنا أصابني الرعب، وعرفت أن الأمر تجاوز السياسة، وأنني أقف أمام شيء أخطر بكثير: أمام سقوط الضمير، حينما يستحل دم من تعارضه، وحين يصبح قتل الإنسان وجهة نظر، وحين تتحول الدماء إلى خبر عابر، وحين يجد البعض في موت الآخرين ما يبعث على الفرح.

وقررت ترك البلد؛ كانت لدي منحة دراسية وكان في استطاعتي تأجيلها والموافقة علي المناصب التي كانت معروضة (نائب وزير). لم أرد أن ألقى الله وفي يدي شيء من هدم روح إنسان، أو في ذمتي أثر من آثار ظلم وقع على إنسان. لم أكن أملك أن أغير ما يحدث، لكنني كنت أملك، على الأقل، ألا أكون جزءا منه، وألا أبيع ضميري مقابل منصب، ولا أستبدل سلام روحي بمكانة عابرة في سلطة زائلة.

تقريبا في أسبوع انتهيت من كل إجراءات السفر وقررت الرحيل، وأنا في المطار لم يكن علي لساني إلا قوله تعالي: ربي بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين.

لم أكن أعرف يومها إلى أين يقودني الطريق، ولا ماذا ينتظرني في الغربة، ولا ما الذي سأخسره حين أختار الابتعاد. لكنني كنت أعرف شيئا واحدا فقط: أن الإنسان قد يخسر منصبا، أو مستقبلا كما كان يتخيله، لكنه لا ينبغي أن يخسر نفسه.
وربما كانت تلك اللحظة، بكل ما حملته من خوف وحيرة ومرارة، هي اللحظة التي اخترت فيها أن أنجو بروحي.

كان ذلك في الكتاب مسطورا.

اترك تعليقا