واشنطن وطهران تقتربان من تسوية.. لكن هرمز يبقى عقدة الاتفاق
الأزمة دخلت مرحلة اختبار الأعصاب الأخيرة
- السيد التيجاني
- 11 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- إيران, الولايات المتحدة, باكستان, طهران, هرمز
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتداخل فيها الدبلوماسية مع التصعيد البحري، بعدما تحدثت باكستان عن اقتراب الطرفين من التوصل إلى «نوع من الترتيب» لإنهاء الأزمة، بالتزامن مع إعلان قطر أن المحادثات بين سلطنة عمان وإيران بشأن تنظيم الملاحة في مضيق هرمز وصلت إلى مرحلة متقدمة.
لكن التفاؤل الدبلوماسي لا يزال هشاً، إذ جاءت التصريحات الجديدة في الوقت الذي تعرضت فيه سفينتان لهجومين منفصلين في البحر الأحمر وخليج عمان، في تطور يوضح أن الطريق إلى اتفاق شامل لا يزال محفوفاً بمخاطر عسكرية وأمنية واقتصادية كبيرة.
إشارات باكستانية إلى انفراجة محتملة
برزت باكستان مجدداً كطرف رئيسي في جهود الوساطة بين واشنطن وطهران. وقال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف إن المؤشرات التي ظهرت خلال اليومين أو الثلاثة أيام الماضية تشير إلى أن الطرفين يقتربان من ترتيب سلمي أو اتفاق.
وتكتسب تصريحات إسلام آباد أهمية خاصة لأنها تأتي بالتزامن مع زيارة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران ولقائه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. وتؤكد هذه التحركات أن قنوات الاتصال غير المباشر لا تزال مفتوحة، رغم إعلان طهران سابقاً عدم إجراء مفاوضات مباشرة مع واشنطن واعتمادها على الوسطاء لنقل الرسائل.
لكن عبارة «نوع من الاتفاق» تكشف أيضاً عن حجم الفجوة المتبقية. فالمسألة لم تعد مجرد إعلان وقف للقتال، وإنما تتعلق بترتيبات معقدة تشمل العقوبات، والأصول الإيرانية المجمدة، والوجود العسكري الأمريكي، والتعويضات، ومستقبل مضيق هرمز.
هرمز.. جوهر الأزمة وليس تفصيلاً تفاوضياً
تبدو قضية المضيق أكثر تعقيداً من مجرد الاتفاق على السماح للسفن بالعبور. إيران تسعى إلى ضمان دور في إدارة حركة الملاحة، بينما تريد الولايات المتحدة ضمان حرية الملاحة دون أن تتحول طهران إلى الجهة التي تحدد من يدخل المضيق ومن يخرج منه.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 20 مليون برميل يومياً، أي قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً، كانت تمر عبر المضيق، بينما يمثل الغاز الطبيعي المسال القطري والإماراتي نحو 19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية التي تمر عبر هذا الممر. كما أن نحو 80% من النفط الذي يعبر هرمز يتجه إلى آسيا.
وهذا يجعل أي ترتيبات جديدة للمضيق ذات آثار تتجاوز إيران والولايات المتحدة إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول الخليج وأوروبا.
الأكثر حساسية هو الغاز. فوكالة الطاقة الدولية ترى أن نحو 93% من صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال و96% من صادرات الإمارات تمر عبر المضيق، ولا توجد في الوقت الراهن بدائل بحرية أو برية قادرة على تعويض هذه الكميات بسرعة.
اتفاق جزئي لا يعني فتح المضيق بالكامل
أحد أهم التحديات يتمثل في الفرق بين إنشاء «ممر ملاحي» وبين إعادة فتح هرمز بصورة كاملة.
المفاوضات العمانية الإيرانية تركز على آلية لتنظيم حركة السفن، لكن طهران أوضحت أن الوصول إلى ترتيب ملاحي لا يعني بالضرورة إعادة فتح المضيق ما لم تتحقق شروط أخرى مرتبطة بالموقف الأمريكي.
وهنا تظهر إمكانية الوصول إلى حل مرحلي: السماح بمرور أنواع محددة من السفن أو اعتماد مسارات معينة، مقابل ترتيبات أمنية وضمانات من الوسطاء.
وتشير تحليلات مؤسسة Vanda Insights إلى أن عودة الملاحة لا تعني بالضرورة عودة التدفقات إلى مستوياتها الطبيعية فوراً. وقالت مؤسسة الشركة، محللة أسواق النفط فاندانا هاري، في سياق سابق للأزمة إن عودة حركة هرمز ظلت غير منتظمة وغير واضحة، بينما حذرت في يونيو من أن إزالة الألغام والهجمات بالطائرات المسيّرة وتباين قواعد العبور الإيرانية والعمانية قد تبقي السوق في حالة من عدم اليقين.
وهذا يعني أن أي اتفاق سياسي قد يكون مجرد بداية لعملية طويلة لإعادة بناء الثقة بين شركات الشحن وشركات التأمين والدول المطلة على الخليج.
التعويضات.. العقبة السياسية الأكبر
أضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاملاً جديداً إلى المفاوضات عندما طالب إيران بدفع تعويضات عن أضرار قال إنها وقعت على مدى عقود، بما في ذلك قتلى من المدنيين والقوات الأمريكية في المنطقة.
هذه المطالب تجعل التوصل إلى اتفاق أكثر صعوبة، لأن قبول طهران بتعويضات واسعة قد يُفسر داخلياً باعتباره تنازلاً كبيراً، في حين أن تراجع واشنطن عن المطالب قد يواجه انتقادات سياسية أمريكية.
في المقابل، لدى إيران مطالبها الخاصة، وبينها إنهاء العقوبات ورفع التهديدات العسكرية وإنهاء الحصار البحري وتحرير الأصول المجمدة.
وبذلك أصبحت المفاوضات أقرب إلى عملية تبادل تنازلات: واشنطن تريد حرية الملاحة وضمانات أمنية، وطهران تريد تخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية والحصول على ضمانات بشأن وقف العمليات العسكرية.
تحذير دانيال يرغن: هرمز قد يبقى في «منطقة رمادية»
يرى دانيال يرغن، نائب رئيس S&P Global وأحد أبرز محللي الطاقة في العالم، أن السيناريو المحتمل بعد انتهاء الحرب ليس بالضرورة عودة المضيق فوراً إلى وضعه الطبيعي.
وقال يرغن خلال نقاش استضافه مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إن هرمز قد يدخل في «منطقة رمادية» لا يكون فيها مغلقاً بالكامل ولا مفتوحاً بالكامل.
وهذا السيناريو مهم للغاية؛ لأنه يعني أن انتهاء الحرب لا يساوي تلقائياً عودة حركة الناقلات إلى مستويات ما قبل الأزمة.
وكان يرغن قد وصف أزمة هرمز في أبريل بأنها واحدة من أكبر اضطرابات الطاقة التي شهدها العالم، مشيراً إلى أن تداعياتها لا تقتصر على النفط، بل تمتد إلى الغاز الطبيعي والأسمدة والبتروكيماويات وسلاسل الإمداد العالمية.
هجمات السفن تقوض التفاؤل الدبلوماسي
بينما كانت القنوات الدبلوماسية تتحرك، جاءت التطورات البحرية لتعيد المخاطر الأمنية إلى الواجهة.
وقالت مصادر إن أربعة من أفراد طاقم سفينة الشحن «تهامة» قُتلوا في هجوم يُشتبه في أن جماعة الحوثي اليمنية نفذته في منطقة باب المندب، بينما لم تعلن الجماعة مسؤوليتها عن الهجوم حتى الآن.
وفي تطور منفصل، أفادت مصادر باستهداف سفينة حاويات قبالة السواحل الباكستانية، في هجوم نُسب الاشتباه فيه إلى الولايات المتحدة، وسط تقارير عن أن طائرة هليكوبتر عسكرية أمريكية استهدفت السفينة بعد تجاهلها تحذيرات مرتبطة بالحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية.
وبصرف النظر عن المسؤولية النهائية عن هذه الهجمات، فإن توقيتها يبعث برسالة سلبية إلى قطاع الشحن: البيئة الأمنية لم تصبح آمنة بما يكفي للعودة الجماعية إلى المضيق.
وهذه مشكلة لا تستطيع الحكومات حلها بمجرد توقيع اتفاق سياسي.
شركات التأمين قد تكون صاحبة القرار الفعلي
حتى إذا أعلنت واشنطن وطهران وقفاً للأعمال العدائية، ستحتاج شركات الشحن إلى تقييم مخاطر المرور، بينما ستعيد شركات التأمين حساب أقساط التأمين على السفن والبضائع.
وقد يستغرق ذلك وقتاً أطول من توقيع الاتفاق نفسه.
فالسفينة لا تتحرك فقط بناء على قرار سياسي؛ بل تحتاج إلى تأمين، وطاقم مستعد للرحلة، وميناء آمن، ومسار واضح، وضمانات من القوات البحرية، وإشارات إلى أن خطر الألغام والهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة أصبح منخفضاً.
ولهذا قد نشهد في حال التوصل إلى اتفاق مرحلة انتقالية تتحرك خلالها بعض السفن قبل أن تعود التجارة إلى مستوياتها الطبيعية.
النفط قد يهبط.. لكن ليس بسرعة
من الناحية الاقتصادية، يمثل أي تقدم في المفاوضات عاملاً ضاغطاً على أسعار النفط، لأن الأسواق تسعّر جزءاً كبيراً من مخاطر نقص الإمدادات.
لكن انخفاض الأسعار لن يعني بالضرورة عودة السوق إلى ما قبل الحرب.
وكالة معلومات الطاقة الأمريكية أشارت إلى أن اضطراب هرمز أدى إلى إغلاق كميات ضخمة من إنتاج النفط في دول الخليج خلال الأشهر الأولى من الأزمة، كما رفعت المخاطر أسعار الوقود والغاز الطبيعي المسال.
كما أن وكالة الطاقة الدولية تؤكد أن القدرة على تجاوز المضيق عبر خطوط الأنابيب محدودة، إذ تتراوح الطاقة البديلة المتاحة لدى السعودية والإمارات بين نحو 3.5 و5.5 مليون برميل يومياً، وهي أقل بكثير من حجم التدفقات الطبيعية عبر هرمز.
وهذا يفسر لماذا يمكن لاتفاق محدود أن يخفف الأسعار، لكنه لن يمحو علاوة المخاطر فوراً.
آسيا ستكون المستفيد الأكبر من أي انفراج
أكثر المناطق ترقباً لإعادة فتح المضيق هي آسيا.
الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية من أكبر المستفيدين من تدفقات الطاقة عبر هرمز، بينما تعتمد باكستان وبنغلاديش بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي المسال القادم عبر المنطقة.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الهند وبنغلاديش وباكستان استوردت في 2025 قرابة ثلثي إمداداتها من الغاز الطبيعي المسال عبر هرمز، ما يجعل استمرار الاضطراب خطراً مباشراً على أمن الطاقة والكهرباء والصناعة في هذه الدول.
ومن هنا يمكن تفسير النشاط الدبلوماسي الباكستاني والقطري والعماني؛ فهذه الدول لا تتعامل مع الأزمة باعتبارها صراعاً سياسياً فقط، وإنما باعتبارها تهديداً مباشراً لأمن الطاقة والاقتصاد الإقليمي.
ترحيب حذر وشكوك متزايدة
التصريحات الباكستانية والقطرية أعادت بعض التفاؤل إلى الأسواق، لكنها لم تقنع جميع المتابعين بأن الاتفاق أصبح وشيكاً.
وتظهر حركة أسواق الطاقة أن المتعاملين لا يزالون يتعاملون مع الأخبار الدبلوماسية بحذر شديد، خصوصاً في ظل تضارب التصريحات بين الأطراف.
ففي حين تحدثت باكستان عن قرب التسوية، بقيت مطالب إيران والولايات المتحدة مرتفعة، كما استمرت الحوادث البحرية.
وتؤكد تجربة الأشهر الماضية أن الأسواق يمكن أن تنتقل خلال ساعات من توقع اتفاق إلى تسعير خطر التصعيد من جديد.
التحديات أمام الاتفاق
هناك خمسة تحديات رئيسية قد تحدد مصير المسار الدبلوماسي:
أولاً: مستقبل إدارة هرمز. هل تكون هناك إدارة مشتركة أو ترتيبات إيرانية عمانية أم تعود الملاحة إلى النظام التقليدي؟
ثانياً: العقوبات. رفع العقوبات الأمريكية عن إيران سيكون أحد أهم المقايضات، لكنه قد يصطدم بالاعتبارات السياسية في واشنطن.
ثالثاً: التعويضات. مطالبة ترامب إيران بالتعويض عن أضرار العقود الماضية قد تكون من أصعب الملفات بالنسبة إلى أي تسوية.
رابعاً: الضمانات الأمنية. تحتاج طهران إلى ضمانات بشأن وقف الهجمات، بينما تريد واشنطن ضمانات بعدم استخدام إيران للمضيق كورقة ضغط مستقبلية.
خامساً: الفصائل المسلحة. حتى لو توصلت الحكومتان إلى اتفاق، فإن استمرار هجمات الحوثيين أو أي فصيل إقليمي قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.
سيناريوهات للمرحلة المقبلة
السيناريو الأول هو اتفاق مرحلي، وهو الأكثر واقعية في المدى القريب. بموجبه يجري فتح ممرات بحرية محددة، مع إجراءات لخفض التصعيد، قبل التفاوض على الملفات الأكبر.
السيناريو الثاني هو تسوية شاملة تتضمن وقفاً دائماً للأعمال العسكرية، وترتيبات لهرمز، وتخفيف العقوبات، وإجراءات بشأن الأصول والتعويضات. هذا السيناريو سيكون الأكثر إيجابية للأسواق، لكنه يحتاج إلى تنازلات سياسية كبيرة من الطرفين.
أما السيناريو الثالث فهو انهيار المسار الدبلوماسي، خصوصاً إذا وقع هجوم كبير على سفينة أو منشأة طاقة، أو رفض أحد الطرفين شروط الطرف الآخر. عندها يمكن أن تعود أسعار النفط إلى الارتفاع سريعاً، ويتجدد خطر اتساع العمليات العسكرية.
التوقع الأرجح
المؤشرات الحالية تسمح بالقول إن نافذة التفاوض أصبحت أكثر اتساعاً، لكنها لم تتحول بعد إلى اتفاق مضمون.
الأرجح أن تبدأ أي تسوية بترتيب محدود للملاحة، وليس بفتح كامل وفوري للمضيق. وستحتاج المرحلة التالية إلى اختبار عملي: هل تستطيع السفن المرور بأمان؟ هل ستقبل شركات التأمين تغطيتها؟ وهل ستلتزم القوات والفصائل المسلحة بوقف الاستهداف؟
وتشير خبرات الأزمة السابقة إلى أن عودة التدفقات ستكون تدريجية حتى بعد التوصل إلى اتفاق. فمحللون في Energy Aspects، بينهم أمريتا سين وريتشارد برونز، ركزوا في تحليلاتهم على أن استعادة حركة هرمز لا تعتمد على القرار السياسي فقط، بل على سرعة استعادة أمن الملاحة وعودة الناقلات وإزالة المخاطر التشغيلية.
لذلك فإن التطور الأهم خلال الأيام المقبلة لن يكون مجرد إعلان سياسي عن «اتفاق»، بل طبيعة الاتفاق وما إذا كان قادراً على تحويل هرمز من ساحة صراع إلى ممر تجاري يمكن للسفن استخدامه بثقة.
وفي هذه النقطة تحديداً تكمن المفارقة: واشنطن وطهران قد تكونان أقرب إلى التسوية مما كانتا عليه قبل أيام، لكن حادثاً بحرياً واحداً كبيراً يمكن أن يعيد الحسابات إلى مربع التصعيد.
وبالتالي، فإن الأزمة دخلت مرحلة اختبار الأعصاب الأخيرة؛ فإيران تملك ورقة هرمز، والولايات المتحدة تملك أدوات عسكرية واقتصادية واسعة، بينما تمتلك باكستان وقطر وعمان مفتاحاً مهماً يتمثل في القدرة على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة. أما الأسواق العالمية، فتنتظر النتيجة لأنها لا تحتاج إلى «سلام سياسي» فقط، بل إلى ممر آمن ومستقر وقابل للتنبؤ.