أوروبا تستعد لسيناريو «الضربة الكاذبة» الروسية

حرب التخريب والطائرات المسيرة والتضليل المعلوماتي

الرائد// اتخذت بولندا ودول البلطيق خطوات أمنية جديدة لحماية منشآت الطاقة والغاز والبنية التحتية الحيوية، وسط تحذيرات متزايدة من احتمال تنفيذ عملية استفزازية باستخدام طائرات مسيرة أوكرانية يتم توجيهها أو الاستيلاء عليها، ثم تحميل كييف مسؤولية هجوم داخل أراضي حلف شمال الأطلسي. ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من انتقال الحرب الروسية الأوكرانية من ساحات القتال المباشر إلى حرب أكثر غموضًا تعتمد على التخريب والطائرات المسيرة والتضليل المعلوماتي.

وتكشف الخطوة عن تغير في طبيعة التهديد الذي تستعد له الجبهة الشرقية الأوروبية. ففي ليتوانيا جرى نشر قوات لحماية منشآت الطاقة الحيوية، بينما عززت لاتفيا إجراءات حماية سد نهر داوجافا ومنشأة تخزين الغاز في إنشوكالنس، في حين بدأت بولندا وشركاتها الكبرى، ومنها أورلين وغاز سيستم، إعادة تقييم حماية طرق إمدادات النفط والغاز. كما ظهرت وثائق مزورة مرتبطة بالمشروع النووي البولندي، الأمر الذي عزز مخاوف السلطات من أن تكون الحرب المعلوماتية جزءًا من حملة أوسع لخلق الارتباك والشك داخل المجتمعات الأوروبية.

الخبر الأكثر أهمية هنا ليس أن هجومًا روسيًا وقع بالفعل، فهذا لم يثبت، وإنما أن أجهزة الأمن والحكومات في عدة دول أوروبية تتعامل مع احتمال وقوعه باعتباره خطرًا يستحق الاستعداد. وهذه نقطة مهمة في قراءة التطور؛ فالمعلومات الاستخباراتية التي تستند إليها التحذيرات لم تتحول إلى دليل علني يثبت وجود خطة روسية محددة، كما أن موسكو تنفي هذه الاتهامات وتصفها بأنها قصص تخويف غربية. ولذلك يجب الفصل بين «تقييم استخباراتي للتهديد» وبين «واقعة مثبتة».

لكن خلفية الأحداث تجعل التحذيرات أكثر جدية.

فمنذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، اتسع مفهوم الأمن الأوروبي من حماية الحدود والمنشآت العسكرية إلى حماية محطات الكهرباء والموانئ وشبكات الغاز والاتصالات والمطارات. وأصبحت الطائرات المسيرة عنصرًا مركزيًا في هذا التحول، بعدما أثبتت الحرب الأوكرانية أن طائرة صغيرة منخفضة التكلفة يمكنها تهديد منشآت بعيدة عن خطوط الجبهة.

ويشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن الجناح الشرقي لحلف الناتو يواجه بصورة متزايدة تهديدات روسية تقع في «المنطقة الرمادية»، تشمل اختراقات الطائرات المسيرة وأعمال التخريب، وأن دول الجناح الشرقي بدأت بناء طبقات دفاعية تجمع بين التحصينات والمراقبة والدفاعات الجوية القصيرة المدى.

والأكثر إثارة للقلق أن المشكلة لم تعد نظرية. فقد شهدت دول البلطيق خلال الأشهر الماضية حوادث دخلت فيها طائرات مسيرة أوكرانية المجال الجوي لدول مجاورة لروسيا. وخلص تحليل نشره مركز الدراسات الشرقية في وارسو إلى أن بعض هذه الطائرات ربما انحرفت عن مسارها نتيجة الحرب الإلكترونية الروسية أثناء استهدافها مواقع داخل روسيا، ما أدى إلى سقوطها في ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا

وهنا تكمن خطورة السيناريو الجديد.

إذا كانت طائرة أوكرانية قد تدخل دولة من دول الناتو بصورة غير مقصودة، فإن حادثًا من هذا النوع يمكن احتواؤه سياسيًا. لكن إذا جرى استخدام طائرة أوكرانية حقيقية أو نسخة منها لتنفيذ هجوم متعمد ثم إلقاء المسؤولية على أوكرانيا، فإن النتيجة ستكون مختلفة تمامًا؛ إذ يمكن أن يبدأ الخلاف داخل الحلف حول الجهة المسؤولة، وأن تستخدم موسكو حالة الغموض لإرباك القرار السياسي الأوروبي.

وقد حذر وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي في يوليو من احتمال استخدام روسيا طائرات مسيرة في عملية «تحت راية كاذبة» ثم الادعاء بأنها رد على هجوم لم يقع أصلًا. وقال إن الهدف المحتمل لمثل هذه العملية سيكون خلق مبرر للتصعيد وإحداث انقسامات داخل حلف الناتو.

وتكتسب تصريحات سيكورسكي أهمية خاصة لأن بولندا تقع في قلب المعادلة الأمنية الجديدة. فهي من أكبر الداعمين الأوروبيين لأوكرانيا، وتستضيف بنية عسكرية ولوجستية أساسية مرتبطة بالدعم الغربي لكييف، كما أن موقعها يجعلها واحدة من أكثر دول الناتو تعرضًا لتداعيات أي تصعيد بين روسيا والحلف.

لكن الخطر لا يقتصر على بولندا.

فحادثة الطائرة المسيرة المحملة بالمتفجرات التي عُثر عليها قرب مطار لايبزيغ في ألمانيا خلال الأيام الماضية زادت المخاوف الأوروبية من انتقال العمليات التخريبية إلى عمق القارة. ولا تزال المسؤولية عن الحادث غير مثبتة رسميًا، لكن السلطات الألمانية تتعامل معه باعتباره تهديدًا أمنيًا خطيرًا، خصوصًا أن مطار لايبزيغ مركز مهم للنقل الجوي والعمليات المرتبطة بأوكرانيا وحلف الناتو.

وتشير هذه التطورات إلى أن أوروبا دخلت مرحلة مختلفة من الصراع الأمني. فبدل انتظار مواجهة عسكرية مباشرة بين روسيا والناتو، أصبحت الحكومات تستعد لاحتمالات أقل وضوحًا: تخريب منشأة، قطع كابل، تعطيل شبكة كهرباء، هجوم بطائرة مسيرة أو حملة تضليل واسعة يمكن أن تخلق أزمة سياسية قبل أن تتضح الجهة المسؤولة.

ومن منظور أوروبي، هذه هي نقطة الضعف الأساسية.

فحلف الناتو يمتلك قوة عسكرية ضخمة، لكن مواجهة عمليات صغيرة وغير واضحة المصدر أكثر تعقيدًا من مواجهة جيش تقليدي. وإذا وقع انفجار في منشأة أوروبية، فالسؤال الأول لن يكون فقط «من فعل ذلك؟»، بل «هل يمكن إثبات ذلك بسرعة؟».

وهذه الثواني أو الأيام التي تسبق تحديد المسؤول يمكن أن تصبح ساحة للمعركة السياسية والإعلامية.

أما روسيا، إذا صحت تقديرات الأجهزة الغربية، فقد يكون هدفها ليس إشعال حرب شاملة مع الناتو، وإنما اختبار قدرة الحلف على اتخاذ قرار موحد، وزرع الخلاف بين الدول الأعضاء، وإقناع بعض الأوروبيين بأن استمرار دعم أوكرانيا يرفع المخاطر على أراضيهم.

وفي المقابل، فإن المبالغة في الحديث عن هجمات روسية محتملة دون نشر الأدلة قد تحمل خطرًا آخر؛ إذ يمكن أن تؤدي إلى رفع مستوى الخوف الشعبي وتوسيع الإنفاق الأمني والعسكري من دون وجود تهديد وشيك مثبت. ولذلك تحتاج الحكومات الأوروبية إلى معادلة دقيقة بين التحذير والاستعداد وبين عدم تحويل التقديرات الاستخباراتية إلى حقائق إعلامية نهائية.

التوقعات المستقبلية

السيناريو الأكثر احتمالًا هو استمرار أوروبا في تشديد حماية البنية التحتية الحيوية، وتوسيع أنظمة كشف الطائرات المسيرة، وتعزيز التعاون الاستخباراتي بين بولندا ودول البلطيق وألمانيا ودول الناتو الأخرى.

وقد نشهد أيضًا توسعًا في مفهوم «الدفاع الجوي الأوروبي» ليشمل آلاف الأهداف المدنية، وليس فقط القواعد العسكرية. وهذا سيجعل حماية محطات الكهرباء والغاز والمطارات والموانئ جزءًا من التخطيط الدفاعي للناتو.

أما السيناريو الأخطر فهو وقوع حادث كبير داخل دولة من دول الحلف مع وجود أدلة متضاربة حول المسؤول عنه. عندها ستكون المادة الخام المثالية لحرب المعلومات: روسيا قد تنفي، وأوكرانيا قد تنفي، والحكومات الأوروبية قد تحتاج إلى أيام لإثبات الحقيقة، بينما تكون منصات التواصل قد حسمت الرواية في أذهان ملايين الناس.

وهناك سيناريو ثالث أقل خطورة لكنه أكثر استمرارية، يتمثل في حرب استنزاف غير معلنة ضد البنية التحتية الأوروبية، بحيث لا يقع هجوم واحد كبير، وإنما سلسلة من الحوادث الصغيرة والتخريب ومحاولات الاختراق الإلكتروني والطائرات المسيرة والوثائق المزورة. وفي هذه الحالة سيكون الهدف الأساسي إنهاك المؤسسات الأوروبية ورفع تكلفة الأمن وإثارة الشكوك بين الحكومات والشعوب.

ولهذا فإن ما يحدث في بولندا ودول البلطيق لا ينبغي قراءته فقط باعتباره استعدادًا لحرب محتملة، بل باعتباره مؤشرًا على شكل جديد من الصراع الأوروبي: حرب يمكن أن تبدأ من دون إعلان، وتستخدم أدوات مدنية، وتستهدف الثقة قبل المنشآت.

المصادر والتاريخ

رويترز، «بولندا ودول البلطيق تحصّن البنية التحتية خشية هجوم روسي تحت راية كاذبة»، 10 أغسطس 2026.

رويترز، «المخاوف الأوروبية تتزايد بشأن عمليات الطائرات المسيرة والتخريب»، 10 أغسطس 2026.

المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، «تعزيز الجناح الشرقي لحلف الناتو»، 24 فبراير 2026.

مركز الدراسات الشرقية في وارسو، «دول البلطيق تتعامل مع حوادث الطائرات المسيرة الأوكرانية»، 25 مارس 2026.

المجلس الأطلسي، «كيف تستغل روسيا اختراقات الطائرات المسيرة في البلطيق وكيف يمكن مواجهتها»، 20 مايو 2026.

تاريخ التقرير: 10 أغسطس 2026.

اترك تعليقا