مدغشقر تستعيد بقايا أراضيها المملوكة لإجانب منذ العهد الاستعماري

في تأكيد علي سيادتها الوطنية

الرائد : دخلت مدغشقر مرحلة جديدة في مراجعة ملكية الأراضي ذات الصلة بالإرث الاستعماري، بعدما أقرت المحكمة الدستورية العليا قانوناً يتيح للدولة استعادة أراضٍ ما زالت مسجلة بأسماء جهات أجنبية، في خطوة تضع قضية السيادة على الأرض في قلب التحولات السياسية والقانونية التي تشهدها البلاد.

وقالت تقارير صحفية إن  المحكمة الدستورية العليا صادقت على القانون الذي يسمح للدولة باستعادة أراضٍ تعود ملكيتها في سجلات رسمية إلى أجانب، في إطار ما وصفته الحكومة بدفع جديد نحو استعادة السيادة على الموارد والأراضي المرتبطة بالحقبة الاستعمارية.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة في مدغشقر لأن مسألة الأرض لا ترتبط بالملكية العقارية وحدها، وإنما تتقاطع مع تاريخ طويل من السيطرة الأجنبية على الموارد والأراضي. فقد أصبحت الجزيرة مستعمرة فرنسية عام 1896، واستمر الحكم الاستعماري حتى الاستقلال عام 1960، فيما بقيت ملكية بعض الأراضي وعلاقات الاستثمار الأجنبية جزءاً حساساً من النقاش السياسي والاقتصادي.

السيطرة الأجنبية علي أراضي مدغشقر 

وولا يعني هذا التطور  أن جميع الأراضي المملوكة لأجانب ستُصادر بصورة تلقائية. فالمسألة تتعلق بإطار قانوني يسمح للدولة بمراجعة أو استعادة أراضٍ محددة وفق الشروط التي يضعها القانون، وهو ما يجعل تطبيق النص القضائي والإداري أهم من الإعلان السياسي نفسه.

وتظهر وثائق المحكمة الدستورية العليا أن المؤسسة القضائية تنظر خلال 2026 في مجموعة من القوانين المرتبطة بإعادة تنظيم الدولة والاقتصاد، بينها قانون المالية المعدل، وقوانين القضاء، وتشريعات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وقد نشرت المحكمة قراراتها رسمياً على موقعها، بما يؤكد أن عملية إعادة بناء الإطار القانوني للدولة تسير بالتوازي مع التغييرات السياسية.

وتحمل قضية الأراضي بعداً اجتماعياً مباشراً. فالأرض في بلد زراعي مثل مدغشقر ترتبط بمصادر الدخل والغذاء والسكن، ولذلك فإن أي تغيير في ملكيتها يمكن أن يؤثر في المجتمعات المحلية، وليس فقط في الشركات أو المستثمرين.

لكن هناك جانباً اقتصادياً أكثر تعقيداً. فمدغشقر تحتاج إلى الاستثمار الأجنبي في قطاعات متعددة، وأي قانون يُنظر إليه على أنه يستهدف الملكية الأجنبية بصورة غير متوقعة قد يجعل المستثمرين أكثر حذراً.

ضمان الملكية القانونية 

وهنا سيكون التحدي أمام الحكومة هو تحقيق التوازن بين استعادة السيطرة على الأراضي التي ترى أنها انتقلت إلى جهات أجنبية في ظروف غير عادلة، وبين ضمان حقوق الملكية القانونية للمستثمرين الذين حصلوا على أراضيهم وفق قوانين نافذة.

وتزداد أهمية هذا التوازن لأن المحكمة الدستورية نفسها أكدت في قرار سابق هذا العام بشأن قانون الضمانات أن حماية الملكية الخاصة وحرية الاستثمار والتعاقد يجب أن تكون ضمن الإطار الدستوري. وقد أعلنت المحكمة في قرارها الصادر في 9 يوليو أن قانون الضمانات لا يتعارض مع الدستور، بعد مراجعة مدى تأثيره في الملكية الخاصة وحرية ممارسة النشاط الاقتصادي.

وفي هذه الأجواء يشكل  تطبيق قانون الأراضي الجديد اختباراً مهماً للدولة: هل تستطيع استعادة أراضٍ مرتبطة بالإرث الاستعماري من خلال إجراءات قانونية واضحة، أم ستدخل في نزاعات قضائية مع ملاك ومستثمرين أجانب؟

ومن الناحية التاريخية، فإن إعادة النظر في ملكية الأراضي ليست ظاهرة مدغشقرية منفردة. فقد شهدت دول أفريقية عديدة منذ الاستقلال محاولات لإعادة توزيع الأراضي التي كانت قد انتقلت إلى مستوطنين وشركات أجنبية خلال الاستعمار، لكن النتائج تراوحت بين استعادة الملكية الوطنية وبين ظهور مشكلات جديدة بسبب ضعف الإدارة والفساد والنزاعات على التعويض.

ولهذا فإن نجاح السياسة الجديدة لن يقاس بعدد الهكتارات التي تستعيدها الدولة، وإنما بقدرتها على تحديد الملكيات محل النزاع بصورة شفافة، وإتاحة الطعن القضائي، وتحديد التعويضات عند استحقاقها، ومنع استخدام القانون للاستيلاء السياسي على أراضٍ خاصة.

ومن المتوقع أن يزداد النقاش حول القانون خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً إذا بدأت الحكومة إجراءات فعلية لاستعادة أراضٍ كبيرة أو مرتبطة بشركات أجنبية. وقد يؤدي ذلك إلى فتح ملفات تاريخية ظلت معلقة منذ الاستقلال.

سيناريواستعادة الأراضي 

وفي أفضل السيناريوهات، يمكن أن تتحول الخطوة إلى إصلاح قانوني يعيد تنظيم ملكية الأراضي ويمنح الدولة والمجتمعات المحلية حماية أكبر من صفقات غير عادلة، مع الإبقاء على بيئة استثمارية مستقرة.

أما السيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في غموض معايير الاستعادة أو ضعف القضاء والإدارة، الأمر الذي قد يحول القانون من أداة لمعالجة إرث تاريخي إلى مصدر جديد للنزاعات العقارية والسياسية.

وبذلك فإن قرار المحكمة الدستورية لا يمثل نهاية قضية الأراضي، بل بداية مرحلة قانونية جديدة ستحدد كيفية تعامل مدغشقر مع أحد أكثر الملفات حساسية في علاقتها بتاريخها الاستعماري واقتصادها الحديث.

نطاق القانون وأثره

لكن المؤرخ المالاجشي  سولوفو راندريانجا يرى أن نطاق القانون وأثره الاقتصادي يجب وضعهما في سياقهما، معتبرًا أن القضية لا تمثل الجزء الأكبر من مشكلات الأراضي التي تواجهها مدغشقر.

وقال راندريانجا إن القانون “لا يتعلق بالغالبية العظمى من الأراضي التي يستخدمها الناس”، وبالتالي فإن تأثيره الاقتصادي يظل، في تقديره، محدودًا نسبيًا مقارنة بالنزاعات العقارية الأخرى التي تنظر فيها المحاكم الملغاشية.

ويرى المؤرخ أن التركيز على الأراضي المسجلة بأسماء أجانب منذ الحقبة الاستعمارية لا يعالج المشكلة الأساسية المتعلقة بالأراضي في مدغشقر، والمتمثلة في وضع القطاع الزراعي والأراضي المستخدمة في الزراعة.

وأشار إلى أن قضايا الأراضي الزراعية تخضع منذ عام 2005 لقانون وضع الأراضي، فيما تعرض القطاع الزراعي لضغوط وتحديات متراكمة على مدى عقود، تفاقمت بفعل برامج التكيف الهيكلي التي أثرت في القطاع.

وأضاف راندريانجا أن القانون الجديد “لا يُسهم في إعادة بناء الزراعة والقطاع الزراعي”، معتبرًا أن الزراعة كانت من أبرز القطاعات التي تضررت من برامج التكيف الهيكلي المختلفة التي نُفذت في البلاد.

وبحسب المؤرخ، فإن تقييم القانون باعتباره خطوة حاسمة في إنهاء الاستعمار العقاري يحتاج إلى قدر من التحفظ، إذ إن نجاحه يظل محدودًا إذا لم يترافق مع معالجة المشكلات الأوسع التي تواجه ملكية الأراضي والإنتاج الزراعي في مدغشقر.

 

اترك تعليقا