تحالف سعودي تركي باكستاني

مرحلة جديدة للأمن الإقليمي المشترك

في تحول استراتيجي قد يعيد رسم ملامح التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط، حيث شكّل توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة محطة استراتيجية لافتة في مسار الترتيبات الأمنية الإقليمية، إذ جاء في توقيت يشهد أعلى مستويات التوتر العسكري في الشرق الأوسط، وسط استمرار المواجهة بين إيران وإسرائيل، وتزايد المخاوف من اتساع دائرة الصراع وتهديد أمن الطاقة والملاحة الدولية.

وينظر مراقبون إلى الاتفاق بوصفه بداية مرحلة جديدة من التعاون العسكري بين ثلاث قوى تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً كبيراً في العالم الإسلامي، بينما يرى آخرون أنه يمثل رسالة ردع أكثر منه تأسيساً لتحالف عسكري تقليدي على غرار حلف شمال الأطلسي.

اتفاق يكرس مبدأ الدفاع الجماعي

ينص الاتفاق على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداءً على جميع الأطراف، وهو مبدأ يقترب من مفهوم الدفاع الجماعي المعروف في الأحلاف العسكرية الدولية.

إلا أن البيان المشترك لم يحدد بصورة واضحة طبيعة الالتزامات العسكرية، أو حجم القوات التي يمكن أن تشارك في أي مواجهة، أو آليات اتخاذ القرار، وهو ما دفع عدداً من الخبراء إلى اعتبار الاتفاق إطاراً سياسياً واستراتيجياً قابلاً للتطوير أكثر من كونه تحالفاً عسكرياً كاملاً.

كما شددت الحكومات الثلاث على أن الاتفاق دفاعي بحت، ولا يستهدف أي دولة بعينها، ولا يلغي الاتفاقيات الثنائية أو متعددة الأطراف القائمة مع دول أخرى.

لماذا الآن؟

التوقيت يحمل دلالات لا تقل أهمية عن مضمون الاتفاق.

فالمنطقة تشهد منذ أشهر تصعيداً غير مسبوق شمل ضربات متبادلة، وتهديداً لطرق الملاحة، وهجمات على منشآت للطاقة، الأمر الذي جعل دولاً عديدة تعيد النظر في منظومة أمنها القومي.

ويرى محللون أن السعودية تسعى إلى تنويع خياراتها الأمنية، وعدم الاعتماد بصورة كاملة على المظلة الأمريكية، في حين تبحث تركيا عن دور أكبر في صياغة النظام الأمني الإقليمي، بينما ترى باكستان أن أمن الخليج يرتبط بصورة مباشرة بأمنها الاقتصادي والاستراتيجي.

لحظة تاريخية

قال عبد العزيز صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، إن اجتماع ثلاث من أكثر الدول الإسلامية تأثيراً في هذا التوقيت يعكس رغبة متزايدة في تنسيق السياسات الأمنية.

وأضاف أن الإطار الثلاثي يمكن أن يمنح الدول الثلاث ثقلاً دبلوماسياً وعسكرياً أكبر، وقد يشكل نواة لبنية أمنية تقودها القوى الإقليمية بدلاً من الاعتماد الكامل على القوى الدولية.

ويرى صقر أن الاتفاق يمثل انتقالاً من التعاون العسكري التقليدي إلى مرحلة أكثر تنظيماً، خاصة في مجالات الردع وتبادل المعلومات والتدريبات العسكرية.

ليس موجهاً للحرب

أما الباحثة بورجو أوزتشيليك، كبيرة الباحثين في شؤون أمن الشرق الأوسط بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة، فترى أن الاتفاق لا يهدف إلى إشعال مواجهة جديدة مع إيران.

وتؤكد أن الهدف الأساسي يتمثل في تحقيق توازن استراتيجي داخل المنطقة، وتعزيز الردع في مواجهة أي تهديدات، بما في ذلك التطورات العسكرية الإسرائيلية، مع الحفاظ على فرص الحلول السياسية.

وترى أن الرسالة الأساسية للاتفاق هي منع التصعيد وليس توسيعه.

الموقف التركي

حرصت أنقرة على التأكيد بأن الاتفاقية ذات طبيعة دفاعية فقط.

وقال مسؤول تركي إن الاتفاق مفتوح أمام دول إقليمية أخرى، ولا يستهدف أي طرف، كما أنه لا يتعارض مع عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي أو مع اتفاقياتها العسكرية الأخرى.

ويشير محللون أتراك إلى أن أنقرة تسعى إلى تعزيز صناعاتها الدفاعية وأسواق صادراتها العسكرية، إلى جانب توسيع نفوذها السياسي في الشرق الأوسط.

الرؤية السعودية

من الجانب السعودي، أكد السفير رائد قرملي، وكيل وزارة الخارجية السعودية للدبلوماسية العامة، أن الاتفاق لا يمثل محوراً عسكرياً أو تكتلاً طائفياً.

كما شدد على أنه لا يرتبط بأي طموحات نووية أو سباق تسلح، وإنما يركز على حماية الأمن والاستقرار وتعزيز التعاون الدفاعي.

ويرى مراقبون أن الرياض تحاول عبر هذا الاتفاق بناء شبكة أوسع من الشراكات الأمنية بما ينسجم مع رؤيتها السياسية والاقتصادية، خصوصاً في ظل أهمية حماية منشآت الطاقة ومشروعات التنمية الكبرى.

الحسابات الباكستانية

أما باكستان فتدخل الاتفاق وهي تمتلك خبرة طويلة في التعاون العسكري مع المملكة العربية السعودية، سواء عبر برامج التدريب أو انتشار قواتها داخل المملكة في فترات مختلفة.

كما أن إسلام آباد تعد الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي، الأمر الذي يمنح الاتفاق بعداً رمزياً مهماً، رغم تأكيد الحكومة الباكستانية أن القدرات النووية ليست جزءاً من الاتفاق.

ويرى محللون باكستانيون أن الاتفاق يعزز مكانة بلادهم كلاعب رئيسي في أمن الخليج، ويمنحها فرصاً أكبر في التعاون الدفاعي والاستثماري مع الدول العربية.

ردود الفعل الإقليمية

حتى الآن لم تصدر إيران موقفاً رسمياً مفصلاً، وهو ما يفسره البعض بأنه محاولة لقراءة أبعاد الاتفاق قبل اتخاذ موقف سياسي.

في المقابل، أعلنت الهند أنها تتابع الاتفاق عن كثب، نظراً لارتباطه بالتوازنات الإقليمية التي تؤثر بصورة مباشرة في جنوب آسيا.

أما إسرائيل فلم يصدر عنها تعليق رسمي، رغم أن عدداً من المحللين الإسرائيليين اعتبروا الاتفاق تطوراً يستحق المتابعة، خصوصاً مع تنامي التعاون العسكري بين الدول الثلاث.

كما رحبت بعض الأوساط العربية بالاتفاق باعتباره خطوة لتعزيز الأمن الإقليمي، بينما حذرت أصوات أخرى من أن يؤدي إلى سباق جديد في بناء التحالفات العسكرية.

أبرز التحديات

ورغم الزخم السياسي الذي رافق الإعلان، فإن الاتفاق يواجه تحديات حقيقية.

أولها غياب التفاصيل التنفيذية، إذ لم يتم الإعلان عن قيادة عسكرية مشتركة أو آلية لاتخاذ القرار أو حجم الالتزامات العسكرية.

وثانيها اختلاف أولويات الدول الثلاث، فلكل دولة حساباتها الخاصة وعلاقاتها الدولية المختلفة.

أما ثالث التحديات فيتمثل في كيفية التعامل مع الأزمات المستقبلية، خاصة إذا تعرضت إحدى الدول لاعتداء لا يحظى بإجماع الأطراف الأخرى حول طبيعة الرد المناسب.

ويضاف إلى ذلك التوازن الدقيق الذي تحاول الدول الثلاث الحفاظ عليه في علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين وروسيا، وهو ما قد يفرض قيوداً على مستوى التنسيق العسكري.

ماذا يمكن أن يتغير؟

يتوقع خبراء أن تشهد المرحلة المقبلة زيادة كبيرة في المناورات العسكرية المشتركة.

كما يرجح توسيع برامج تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، والدفاع الجوي، وأمن البحر الأحمر والخليج العربي.

وقد تنضم دول أخرى مستقبلاً إذا أثبت الاتفاق نجاحه، خصوصاً مع إعلان الجانب التركي أن الباب مفتوح أمام شركاء إقليميين جدد.

هل يتطور إلى تحالف إسلامي أوسع؟

يرى بعض المحللين أن الاتفاق قد يصبح نواة لتحالف دفاعي إسلامي أوسع إذا استمرت التحديات الأمنية الحالية، خاصة مع تزايد الدعوات إلى بناء منظومة أمن إقليمية مستقلة.

في المقابل، يرى آخرون أن الأمر سيظل محصوراً في إطار التنسيق الدفاعي دون الوصول إلى نموذج يشبه الأحلاف العسكرية التقليدية، وذلك بسبب تعقيدات السياسة الإقليمية واختلاف المصالح.

التأثير على أمن الطاقة

من أبرز أهداف الاتفاق حماية خطوط الملاحة وإمدادات الطاقة، إذ تعتمد الأسواق العالمية بصورة كبيرة على صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج.

ويرى خبراء الاقتصاد أن أي تحسن في أمن الملاحة قد ينعكس إيجاباً على استقرار أسعار الطاقة، بينما يشكل استمرار التصعيد العسكري أكبر تهديد للأسواق العالمية.

قراءة مستقبلية

يتفق معظم الخبراء على أن الاتفاق يمثل بداية مسار جديد وليس نهايته.

فنجاحه سيقاس بمدى قدرته على الانتقال من البيانات السياسية إلى آليات تنفيذية واضحة تشمل القيادة المشتركة، والتخطيط العسكري، والتدريبات، والتصنيع الدفاعي، وتبادل المعلومات.

كما سيعتمد مستقبله على قدرة الدول الثلاث على إدارة خلافاتها، والحفاظ على توازن علاقاتها الدولية، ومنع تحول الاتفاق إلى أداة لاستقطاب إقليمي جديد.

وفي جميع الأحوال، فإن اتفاقية مكة للدفاع المشترك تعد واحدة من أهم التطورات الأمنية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، لأنها تعكس اتجاهاً متزايداً لدى القوى الإقليمية نحو بناء منظومات أمنية تعتمد بدرجة أكبر على الشراكات الإقليمية، في ظل بيئة استراتيجية تتسم بسرعة التحولات، وتصاعد المخاطر، وتراجع اليقين بشأن شكل النظام الأمني في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

 

اترك تعليقا