اجابات عن استمرار جاهزية قوات امريكا في حرب ايران

د سيد غنيم - خبير عسكري

في ظل ما يتردد بشأن نقص الذخائر الأمريكية وطلب ضابط بارز في فرع الاستخبارات بقيادة المنطقة الوسطى الأمريكية في رسالة إلى محللين عسكريين يطلب فيها أفكارًا إبداعية وغير تقليدية للضغط على إيران ومعاقبتها، وجدت سؤالين يراودان صناع القرار الدوليين والمراقبين، وهما:

السؤال الأول: هل الولايات المتحدة ما زالت قادرة على تنفيذ مهامها العملياتية فيما يخص حماية إسرائيل ومواصلة الضغط العسكري على إيران؟

والإجابة في رأيي باختصار وبشكل محدد هي نعم، ولكن بكفاءة أقل وتكلفة أعلى مقارنة ببداية الحرب.. وسوف أشرح مبررات إجابتي بشكل موجز.

أولاً: أسباب استمرار القدرة:

1. امتلاك الولايات المتحدة تفوقًا جويًا وبحريًا واستخباراتيًا عالميًا، مع إمكانية تعزيز قواتها بسرعة وفعالية.
2. استمرار شبكات الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي الأمريكي والتكامل العملياتي مع إسرائيل، ومع قواتها في مناطق العمليات.
3. قدرة القوات الأمريكية على تنفيذ ضربات بعيدة المدى وفرض عقوبات وضغوط اقتصادية وسيبرانية واستخباراتية.

ثانيًا: أسباب تراجع الكفاءة وارتفاع التكلفة:

1. استمرار حماية إسرائيل والقواعد الأمريكية والملاحة الإقليمية في وقت واحد يفرض ضغطًا على القوات والموارد.
2. اتساع مسرح العمليات (إيران، الخليج، البحر الأحمر، وشرق المتوسط) يزيد الأعباء اللوجستية والعملياتية.
3. الحاجة إلى الحفاظ على جزء من القدرات لمواجهة التزامات استراتيجية أخرى، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا، مما يحد من إمكانية تركيز الموارد بالكامل على إيران.
4. ارتفاع التكلفة المالية ومعدلات استهلاك الذخائر مقارنة بسرعة تعويضها صناعيًا.

السؤال الثاني: هل يفيد بذلك تمتلك إيران عامل الوقت وتستغله ضد الولايات المتحدة، وبما يُرجعها عن قرار الحرب لأسباب نقص الذخيرة أو عجز القوات الأمريكية عن الضغط والعقاب المؤثر على إيران مع قرب الانتخابات النصفية؟

والإجابة بإيجاز، في رأيي، أن الأمر ليس كذلك. وسأوضح قصدي باختصار.
هناك عدة عوامل حيوية للحرب، وهي عوامل القوة والمعلومات والأرض (وقد أضفت لهم عامل التخطيط)، وهذه العوامل الأربعة إذا امتلكها بتفوق كبير أحد أطراف الصراع، فالعامل الخامس وهو عامل (الوقت) سيكون في الغالب في صالحه إذا لم ينجح الطرف الأضعف (إيران) في تحويل الحرب إلى حرب استنزاف طويلة قادر على تحمل ألمها وتصدير التهديد لخصمه الأقوى وحلفائه. وفي هذه الحرب لا شك أن الولايات المتحدة تمتلك العوامل الأربعة الأولى بتفوق كبير، فهي تمتلك القوات الأكبر حجمًا ونوعية، وتمتلك القدرات الاستخباراتية والمعلوماتية المتفوقة والمدعومة من حلفائها أيضًا، وتمتلك ميزة التواجد البحري في منطقة الخليج العربي ومحيطه منذ عقود، وكذا في القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وكل هذا يجعل عامل الوقت في صالحها في حرب تقليدية.

إلا أن إيران غيرت، بشكل غير مسبوق، فكرة تحقيق الهدف السياسي النهائي لها، وهو (بقاء النظام الإيراني قويًا، وطرد القوات الأمريكية من المنطقة وبما يمكن إيران من صياغة نظام إقليمي أمني جديد لمنطقة الخليج بصورة تحقق السيادة والتفوق لإيران)، حيث إن الهدف السياسي يتحقق في العادة بتحقيق الهدف العسكري. وهنا فكرت إيران التي تعلم جيدًا أنها لن تنتصر عسكريًا أو تحقق أي هدف عسكري على الولايات المتحدة، بتركيز الهدف العسكري في تحمل ألم الضربات الأمريكية لأطول وقت ممكن، وضمان استمرار التهديد الصاروخي والمسيرات ضد أهداف إقليمية ولو بصورة غير مؤثرة في حرب استنزاف يصعب أن يكون لها مخرج استراتيجي حاسم للولايات المتحدة، أما الهدف البديل فهو هدف جيوسياسي يتمثل في تحويل مضيق هرمز من مضيق حر إلى مضيق مهدد ثم إلى مضيق مُسيطر عليه بواسطة إيران. الأمر الذي يمثل ضغطًا كبيرًا على دول الخليج والعالم، وليس ضغطًا مباشرًا على القوات الأمريكية ولا على الداخل الأمريكي بشكل مؤثر. ولكن هذا الضغط المستمر على الطاقة والتجارة العالميتين من منظور إيران سيدفع العالم للضغط على ترمب لوقف الحرب، وبفقد ثقة دول الخليج في الحليف الأمريكي، ومن هنا يجعل عامل الوقت وسيلة ضغط على العالم وليس على القيادة المركزية الأمريكية بشكل مؤثر، خاصة فيما يخص الذخائر وما شابه (فدولة مثل الولايات المتحدة لا تشعر بعجز الذخائر فجأة، وإلا كانت أوقفت الحرب فورًا، وهو ما لم ولن يحدث، بل إنها هي وإسرائيل في الوقت الراهن تعودان إلى الحرب أو توقفانها متى شاءتا، وكأنهما تريان أن كلفة الاستمرار مقبولة)، كما أن دول الخليج زاد تعاونها تسليحيًا مع الولايات المتحدة، ويبقى الموقف العالمي الواقع تحت ضغط طاقوي وتجاري مستمر. وأتصور أن بنود مذكرة التفاهم الجديدة الأمريكية الإيرانية هي التي ستوضح المستقبل القريب لهذه الحرب.

وأتوقع أن المعضلة الأساسية في المستقبل القريب لن تكون الذخائر الأمريكية ولا سبل الضغط على إيران ولا على الولايات المتحدة، ولكن ستتركز في مضيق هرمز يليه البرنامجان الإيرانيان النووي والصاروخي.

اترك تعليقا