بنغلاديش وإعادة تشكيل المشهد السياسي
في ظل بيئة إقليمية معقدة
- السيد التيجاني
- 28 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- الاتحاد الأوروبي, المشهد السياسي, الولايات المتحدة, بنغلادش
تشهد بنغلاديش منذ التغييرات السياسية الكبرى التي أعادت تشكيل السلطة مرحلة تُعد من أكثر المراحل حساسية منذ استقلال البلاد عام 1971. فبعد عقود من التنافس الحاد بين القوى السياسية، دخلت الدولة مرحلة انتقالية تسعى خلالها إلى إعادة بناء الثقة في المؤسسات، واحتواء الانقسام الداخلي، والمحافظة على النمو الاقتصادي الذي جعلها واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في جنوب آسيا خلال العقد الأخير.
وتأتي هذه التطورات في ظل بيئة إقليمية معقدة، حيث تتقاطع مصالح الهند والصين والولايات المتحدة في منطقة خليج البنغال، بينما تواصل بنغلاديش استضافة أكثر من مليون لاجئ من الروهينغا، وهو ما يجعل الاستقرار الداخلي عاملاً مؤثراً في أمن جنوب آسيا بأكملها.
مرحلة جديدة بعد سنوات الاستقطاب
شهدت السياسة البنغلاديشية لسنوات طويلة انقساماً حاداً بين رابطة عوامي، التي قادتها رئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة، والحزب القومي البنغلاديشي (BNP)، الذي ارتبط تاريخياً بقيادة خالدة ضياء. ولم يكن الخلاف بين الطرفين مجرد تنافس انتخابي، بل امتد إلى طبيعة مؤسسات الدولة، والانتخابات، والقضاء، ودور الأجهزة الأمنية.
ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة إلينوي، البروفيسور علي رياض (Ali Riaz)، أن الأزمة البنغلاديشية تعود إلى غياب التوافق المؤسسي أكثر من ارتباطها بالأشخاص أو الأحزاب، موضحاً أن استمرار الصراع السياسي أدى إلى تراجع الثقة في العملية الديمقراطية، وأضعف قدرة المؤسسات على إدارة الخلافات بصورة سلمية.
ويؤكد رياض أن أي انتقال سياسي مستقر يتطلب إصلاحات انتخابية، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان حياد المؤسسات الرقابية، حتى تصبح المنافسة السياسية قائمة على البرامج لا على الصراع الوجودي بين القوى المتنافسة.
الحكومة الانتقالية وتحديات بناء الثقة
يرى عدد من الباحثين أن المرحلة الحالية تمثل اختباراً لقدرة مؤسسات الدولة على إدارة الانتقال السياسي دون الانزلاق إلى الفوضى.
وتوضح الباحثة الأمريكية المتخصصة في شؤون جنوب آسيا ماريا سليم (Maria Saleem) أن نجاح المرحلة المقبلة يعتمد على قدرة القوى السياسية على القبول بالتعددية، مؤكدة أن استمرار خطاب التخوين والاستقطاب سيؤدي إلى إضعاف الاقتصاد والاستثمار ويؤثر في صورة البلاد أمام المجتمع الدولي.
وتضيف أن المجتمع البنغلاديشي أصبح أكثر تطلعاً إلى حلول اقتصادية واجتماعية بدلاً من الصراعات التاريخية، خاصة مع ارتفاع نسبة الشباب واتساع استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي.
الأحزاب الإسلامية بين المشاركة والتحديات
تحتل الأحزاب الإسلامية موقعاً مؤثراً في الحياة السياسية البنغلاديشية، وإن كان بدرجات متفاوتة. وتعد الجماعة الإسلامية في بنغلاديش أبرز هذه القوى، إلا أنها واجهت خلال السنوات الماضية أحكاماً قضائية وقيوداً سياسية أثرت في حضورها الانتخابي.
ويرى الباحث في شؤون الإسلام السياسي كريستوف جافريلوت (Christophe Jaffrelot) أن مستقبل الأحزاب الإسلامية في بنغلاديش سيعتمد على قدرتها على تقديم برامج اقتصادية واجتماعية واقعية، وليس الاكتفاء بالشعارات الأيديولوجية، خاصة في ظل التغيرات الاجتماعية التي يشهدها المجتمع البنغلاديشي.
كما يشير إلى أن المنافسة السياسية في جنوب آسيا أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بقضايا التنمية وفرص العمل وتحسين الخدمات العامة أكثر من ارتباطها بالخطابات التقليدية.
الاقتصاد… العامل الأكثر حساسية
رغم الاضطرابات السياسية، لا يزال الاقتصاد البنغلاديشي يمثل أحد أبرز عناصر القوة في البلاد. فقد حققت بنغلاديش خلال السنوات الماضية معدلات نمو مرتفعة بفضل قطاع صناعة الملابس الجاهزة، الذي يمثل المصدر الرئيسي للصادرات، إضافة إلى التحويلات المالية من العاملين في الخارج.
لكن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن استمرار عدم الاستقرار السياسي قد يؤثر في ثقة المستثمرين.
ويشير كبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي لمنطقة جنوب آسيا هانز تيمر (Hans Timmer) إلى أن بنغلاديش تمتلك قاعدة صناعية قوية، إلا أن الحفاظ على النمو يتطلب إصلاحات في البنية التحتية، وتحسين بيئة الأعمال، والحد من الفساد، وتعزيز استقلال المؤسسات الاقتصادية.
ويرى أن أي تراجع في الاستقرار السياسي قد يؤدي إلى تباطؤ الاستثمارات الأجنبية وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب.
التوازن بين الهند والصين
تحتل بنغلاديش موقعاً استراتيجياً يجعلها محل اهتمام القوى الكبرى.
فالهند تعتبر استقرار بنغلاديش جزءاً من أمنها القومي، نظراً للحدود الطويلة المشتركة، والتعاون في مجالات المياه والطاقة والأمن.
وفي المقابل، أصبحت الصين خلال السنوات الأخيرة أحد أكبر المستثمرين في مشروعات البنية التحتية داخل بنغلاديش، ضمن مبادرة الحزام والطريق.
ويرى الباحث الهندي سوشانت سينغ (Sushant Singh) أن السياسة الخارجية البنغلاديشية تعتمد على تحقيق توازن دقيق بين نيودلهي وبكين، بحيث تستفيد من الاستثمارات الصينية دون الإضرار بعلاقاتها التاريخية مع الهند.
ويؤكد أن أي انحياز كامل لأحد الطرفين قد يخلق ضغوطاً سياسية واقتصادية يصعب على دكا تحملها.
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي
تمثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي شريكين اقتصاديين مهمين لبنغلاديش، خاصة في قطاع الملابس الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الأسواق الغربية.
ويرى الباحث الأمريكي مايكل كوجلمن (Michael Kugelman) أن واشنطن تنظر إلى بنغلاديش باعتبارها شريكاً مهماً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لكنها في الوقت نفسه تركز على ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان وشفافية الانتخابات.
ويضيف أن العلاقة بين الطرفين ستظل مرتبطة بقدرة الحكومة البنغلاديشية على تنفيذ إصلاحات سياسية تحظى بقبول داخلي ودولي.
أزمة الروهينغا
لا تزال أزمة اللاجئين الروهينغا تمثل أحد أكبر التحديات أمام الحكومة البنغلاديشية.
فاستضافة أكثر من مليون لاجئ تفرض ضغوطاً اقتصادية وأمنية وإنسانية كبيرة، في ظل محدودية الموارد.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن استمرار غياب الحل السياسي في ميانمار يزيد من تعقيد الأزمة، ويجعل بنغلاديش تتحمل أعباء طويلة الأمد.
ويرى الباحث في شؤون جنوب آسيا براتيكشيا باسو (Pratikshya Basu) أن المجتمع الدولي لم يقدم حتى الآن دعماً يتناسب مع حجم التحديات التي تواجهها بنغلاديش في هذا الملف.
الشباب والتغيير الاجتماعي
يمثل الشباب أكثر من ثلث سكان بنغلاديش، وهو ما يجعلهم القوة الأكثر تأثيراً في مستقبل الحياة السياسية.
ويشير خبراء الاجتماع إلى أن ارتفاع مستويات التعليم، وانتشار الإنترنت، والتوسع في الاقتصاد الرقمي، كلها عوامل أدت إلى تغير أولويات الناخب البنغلاديشي.
فبدلاً من التركيز على الصراعات التاريخية، أصبح كثير من الشباب يهتم بقضايا فرص العمل، وريادة الأعمال، وجودة التعليم، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات الصحية.
ويرى الباحث علي رياض أن هذه التحولات قد تؤدي خلال السنوات المقبلة إلى صعود أحزاب أو تيارات جديدة قادرة على مخاطبة الأجيال الشابة بلغة مختلفة.
أبرز التحديات
تواجه بنغلاديش عدداً من التحديات المتزامنة، أبرزها:
استعادة الثقة في العملية السياسية.
تنظيم انتخابات تحظى بقبول واسع.
معالجة الانقسام بين القوى السياسية.
الحفاظ على النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات.
إدارة العلاقات المتوازنة مع الهند والصين والولايات المتحدة.
استمرار التعامل مع أزمة الروهينغا.
مكافحة الفساد وتعزيز استقلال المؤسسات.
توفير فرص عمل لملايين الشباب.
التأثيرات الإقليمية
أي تغير سياسي في بنغلاديش ستكون له انعكاسات مباشرة على جنوب آسيا، نظراً لموقعها الجغرافي وأهميتها الاقتصادية.
فاستقرار البلاد يعزز أمن الحدود مع الهند، ويحافظ على حركة التجارة في خليج البنغال، ويحد من مخاطر الهجرة غير النظامية، كما يسهم في استقرار أسواق الملابس العالمية التي تعتمد بصورة كبيرة على المصانع البنغلاديشية.
أما في حال استمرار الانقسام السياسي، فقد تواجه البلاد تباطؤاً اقتصادياً، وتراجعاً في الاستثمارات، وزيادة الضغوط الخارجية، وهو ما قد ينعكس على التوازنات الإقليمية بين القوى الكبرى.
وفي النهاية تقف بنغلاديش اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتداخل تحديات السياسة والاقتصاد والأمن مع المنافسة الجيوسياسية في جنوب آسيا.
ويرى معظم الخبراء أن نجاح المرحلة المقبلة لن يعتمد فقط على نتائج الانتخابات أو تغيير الحكومات، بل على قدرة الدولة على بناء مؤسسات قوية، وترسيخ قواعد المنافسة الديمقراطية، وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة تستجيب لتطلعات المجتمع، وخاصة فئة الشباب.
وإذا نجحت دكا في إدارة هذا الانتقال بحكمة، فإنها ستكون مؤهلة لتعزيز مكانتها كإحدى القوى الاقتصادية الصاعدة في آسيا، أما إذا استمرت حالة الاستقطاب، فقد تدخل البلاد دورة جديدة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.