نيجيريا .. هل تنجح الشراكة بين التعليم الديني والعام في إنهاء أزمة الازدواجية ؟
بين الحفاظ علي الهوية و تحديث المجتمع
- abdelrahman
- 28 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- اخبار جريدة الرائد, التعليم الديني, التعليم العام, المؤسسات التعليمية, نيجيريا
عاد ملف التعليم الإسلامي في نيجيريا إلى دائرة الاهتمام خلال عام 2026 بعد إعلان الحكومة الاتحادية وعدد من حكومات الولايات عن توسيع برامج إصلاح التعليم الأساسي ودمج المدارس الدينية غير النظامية في المنظومة التعليمية الرسمية، مع توفير مناهج تجمع بين العلوم الشرعية والتعليم العام، في محاولة لمعالجة واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية تعقيدًا في أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان.
ويأتي هذا التحرك في وقت تشير فيه بيانات اليونسكو واليونيسف إلى أن نيجيريا لا تزال تضم أحد أكبر أعداد الأطفال خارج المدارس في العالم، وهو ما جعل تطوير التعليم يمثل أولوية وطنية، خصوصًا في الولايات الشمالية ذات الأغلبية المسلمة، حيث تنتشر المدارس القرآنية التقليدية التي تستقبل ملايين الأطفال.
الماجيرتشي ونشر اللغة العربية
ويعد نظام الماجيرتشي من أقدم أنظمة التعليم الإسلامي في غرب إفريقيا، إذ يقوم على انتقال الطلاب للإقامة مع الشيخ من أجل حفظ القرآن الكريم ودراسة العلوم الشرعية.
وقد أدى هذا النظام عبر قرون دورًا كبيرًا في نشر التعليم الإسلامي واللغة العربية في المنطقة، لكنه واجه خلال العقود الأخيرة تحديات اجتماعية واقتصادية، أبرزها ضعف التمويل، وارتفاع معدلات الفقر، وغياب الإشراف المؤسسي على بعض المدارس.
وأكدت اللجنة الوطنية للتعليم الأساسي في نيجيريا أن برامج الإصلاح الحالية تستهدف إدخال الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية والمهارات المهنية إلى جانب الدراسات الإسلامية، بما يمنح الطلاب فرصًا أفضل للالتحاق بالتعليم العالي وسوق العمل، دون المساس بالهوية الدينية لهذه المؤسسات.
ويرى المؤرخ النيجيري موري لاسون أولورودي، المتخصص في تاريخ التعليم بغرب إفريقيا، أن المدارس الإسلامية شكلت لعقود طويلة العمود الفقري للتعليم في شمال نيجيريا قبل ظهور التعليم النظامي الحديث، وأن أي إصلاح ناجح يجب أن يبنى على التعاون مع العلماء والمؤسسات الدينية، لا على إلغائها أو تهميشها.
التعليم القرآني وتأهيل كوادر البلاد
كما يؤكد الباحث البريطاني همفري فيشر في دراساته حول الإسلام في غرب إفريقيا أن التعليم القرآني لم يكن مجرد وسيلة لحفظ القرآن، بل أدى دورًا في إعداد القضاة والفقهاء والكتّاب، وربط مجتمعات غرب إفريقيا بالشبكات العلمية الممتدة إلى شمال إفريقيا والحجاز.
ومن جانب آخر، ترى اليونيسف أن إدماج المدارس الدينية في خطط التعليم الوطني يمثل فرصة لتحسين جودة التعليم والوصول إلى الأطفال المحرومين، بشرط توفير تدريب مناسب للمعلمين، وتحسين المباني، وإدخال نظم متابعة وتقييم مستمرة.
ويرى خبراء التربية أن التحدي الأكبر يتمثل في تحقيق توازن بين الحفاظ على استقلالية التعليم الإسلامي، وبين ضمان حصول الطلاب على المهارات الأساسية التي يتطلبها الاقتصاد الحديث، خاصة في مجالات العلوم والتقنية واللغات.
كما يشير متخصصون في التنمية إلى أن معالجة الفقر تمثل جزءًا أساسيًا من نجاح الإصلاح، لأن كثيرًا من الأسر الفقيرة تعتمد على المدارس التقليدية بسبب انخفاض تكلفتها، وهو ما يجعل أي تطوير يحتاج إلى دعم مالي مستدام، ومنح دراسية، وبرامج تغذية مدرسية.
دمج التعليم الديني بالعام
ويتوقع مراقبون أن يؤدي نجاح التجربة النيجيرية إلى تقديم نموذج يمكن الاستفادة منه في عدد من الدول الإفريقية التي تواجه تحديات مشابهة، خاصة أن الجمع بين التعليم الديني والتعليم الحديث أصبح مطلبًا متزايدًا لدى كثير من المجتمعات الإسلامية، التي تسعى إلى الحفاظ على هويتها مع تمكين أبنائها من المنافسة في الاقتصاد المعاصر.
ويؤكد هذا الملف أن مستقبل التعليم الإسلامي في إفريقيا لن يتحدد بالصراع بين الأصالة والتحديث، وإنما بقدرة المؤسسات الدينية والحكومات على بناء شراكة تضمن الحفاظ على الرسالة العلمية والروحية للتعليم، مع تزويد الطلاب بالمعارف والمهارات التي يحتاجونها في القرن الحادي والعشرين.
