ماليزيا تعزز حضورها في آسيان

وسط تسارع التحول نحو الاقتصاد الرقمي

الرائد/ تواصل ماليزيا خلال عام 2026 توظيف رئاستها الدورية لرابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” لتعزيز التكامل الاقتصادي، وتسريع مفاوضات التجارة، وتطوير سلاسل الإمداد الإقليمية، في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات متزايدة نتيجة التنافس الأمريكي الصيني، واضطرابات التجارة العالمية، وتسارع التحول نحو الاقتصاد الرقمي.

وأصبحت كوالالمبور خلال الأشهر الماضية محطة رئيسية لاجتماعات وزراء الاقتصاد والخارجية في الرابطة، حيث ركزت الحكومة الماليزية على قضايا الأمن الغذائي، والتحول الرقمي، والطاقة النظيفة، وتسهيل حركة الاستثمار بين الدول الأعضاء، باعتبارها أولويات مشتركة لاقتصادات جنوب شرق آسيا.

وأكد رئيس الوزراء أنور إبراهيم في أكثر من مناسبة أن دول آسيان مطالبة بالحفاظ على استقلال قرارها الاستراتيجي، وعدم الانحياز إلى أي محور دولي، مع الاستفادة من العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة والصين واليابان والهند في آن واحد، وهو توجه أصبح يمثل أحد ثوابت السياسة الخارجية الماليزية خلال السنوات الأخيرة.

وتأسست رابطة آسيان عام 1967 بخمس دول، قبل أن تتوسع إلى عشر دول تمثل اليوم أكثر من 680 مليون نسمة، ويقترب ناتجها المحلي الإجمالي من أربعة تريليونات دولار، لتصبح خامس أكبر كتلة اقتصادية في العالم. وقد لعبت ماليزيا منذ انضمامها إلى الرابطة دورًا محوريًا في دعم التكامل الاقتصادي، وتحرير التجارة، وتسوية عدد من الخلافات الإقليمية عبر الحوار.

ويرى الباحث الماليزي كو كوونغ هونغ، المتخصص في العلاقات الدولية بجامعة مالايا، أن نجاح آسيان خلال العقود الماضية ارتبط بقدرتها على تجنب الاستقطاب بين القوى الكبرى، مشيرًا إلى أن المحافظة على هذا النهج أصبحت أكثر صعوبة مع تصاعد المنافسة الجيوسياسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

كما يؤكد الباحث الأسترالي جون لي، المتخصص في شؤون آسيا، أن دول جنوب شرق آسيا تحاول بناء نموذج يقوم على “التوازن المرن”، بحيث تستفيد اقتصاديًا من الصين، وتحافظ في الوقت نفسه على شراكاتها الأمنية والاستثمارية مع الولايات المتحدة وحلفائها.

وتشير تحليلات البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي إلى أن ماليزيا تمتلك فرصة للاستفادة من إعادة توزيع سلاسل التوريد العالمية، خاصة في قطاعات أشباه الموصلات، والإلكترونيات، والصناعات الخضراء، إذا استمرت في تحسين بيئة الاستثمار وتطوير البنية التحتية الرقمية.

وفي المقابل، يحذر اقتصاديون من أن استمرار التوتر التجاري بين القوى الكبرى قد يفرض ضغوطًا على اقتصادات آسيان المعتمدة على التصدير، وهو ما يجعل تعزيز التجارة البينية، وتنويع الشركاء، وزيادة الاستثمارات المشتركة، عناصر أساسية لتقليل المخاطر.

ويرى عدد من المحللين أن السياسة الخارجية الماليزية في عهد أنور إبراهيم تميل إلى توسيع هامش الحركة الدبلوماسية، مع منح أولوية للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي، وهو ما ينسجم مع احتياجات الاقتصاد الماليزي أكثر من الانخراط في الاستقطابات الدولية.

ويتوقع مراقبون أن تستمر ماليزيا في لعب دور الوسيط داخل آسيان خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع القوى الإقليمية والدولية، ومن مكانتها كأحد أكبر الاقتصادات الإسلامية في العالم. وإذا نجحت في تحويل رئاستها للرابطة إلى مشروعات اقتصادية ملموسة، فقد تعزز موقعها كإحدى القوى الدبلوماسية والاقتصادية الأكثر تأثيرًا في جنوب شرق آسيا.

المصادر:

رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، مكتب رئيس الوزراء الماليزي، وزارة الخارجية الماليزية، البنك الدولي، بنك التنمية الآسيوي، تصريحات أنور إبراهيم، ودراسات جامعة مالايا حول التكامل الإقليمي.

اترك تعليقا