ثورة يوليو.. عندما يرتدي الاستبداد قناع الرحمة
أحمد الشريف يكتب
- dr-naga
- 24 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- أحمد الشريف, الرئيس محمد نجيب, الملك فاروق, ثورة يوليو, جمال عبد الناصر, مصر
هل يتحول الظلم إلى عدل ونعيم إذا جاء بعده ظلم أشدّ منه وأفدح ؟!.
يدافع البعض الآن عن الملكية البائدة نكاية في العسكرية السائدة، وهذا ليس من الموضوعية أو الإنصاف في شيء!.
فالأحرى أن يتم دراسة كل فترة على حدة إحقاقًا للحق وإنصافًا للتاريخ ..
ومن المحزن حقًا أن يلجأ البعض إلى التزوير من أجل الدفاع عن وجهة نظره، مثلما كتبت إحدى الصفحات (الشهيرة) أن الملك عندما تنازل عن العرش خرج دون أي مقاومة حرصًا منه على سلامة البلاد والعباد، واستدلوا في ذلك بمذكرات الرئيس “محمد نجيب” باعتباره عدو الضباط الأحرار وبالأخص جمال عبد الناصر الذي عزله وسجنه في دار “زينب الوكيل” بمنطقة المرج التي كانت منفى وقتذاك!.[*]
ولكن بالرجوع لتلك المذكرات، نجد أن العكس هو ما حدث بالفعل، فقد أبرز “محمد نجيب” محاولات الملك “فاروق” المستميتة من أجل الحفاظ علي العرش لدرجة أنه طلب من قائد القوات البريطانية المتواجدة في القناة، أن يحتل القاهرة ويضرب الإسكندرية بالأسطول البريطاني، ولما رفض قائد القوات طلبه، اتصل “فاروق” بوزير الخارجية البريطاني “إيدن” وكرر عليه نفس المطالب”!.[١]..
وهو أيضاً ما أكده أحمد مرتضى المراغي بك –ابن الشيخ “المراغي” شيخ الأزهر، وآخر وزراء الداخلية في العهد الملكي الذي جمع بين وزارتي الحربية والداخلية في حكومة نجيب باشا الهلالي في مارس ١٩٥٢م!.[٢]
ومن العجيب أيضًا أن يتحدث البعض عن رخاء اقتصادي ودين مصري مزعوم على “بريطانيا العظمى” التى كانت تحتل مصر وتستعبد شعبها، وخاصة أثناء سنوات الحرب العالمية الأولى والثانية!.
وهناك دراسة للمؤرخ الكبير الراحل الدكتور رءوف عباس بعنوان: “الحركة الـوطنية فى مصر من ١٩١٨ – ١٩٥٢م” تُبيّن أن نسبة المعدمين من سكان الريف كانت تبلغ ٧٦ ٪ في العام ١٩٣٧م، وبلغت نسبتهم ٨٠ ٪ من جملة السكان عام ١٩٥٢م!..
وهي الدراسة التى ترد على من يستند إلى أن الجنيه المصري وقتها كان يعادل الجنيه الذهب إن لم يتفوق عليه!.
وموضوع قيمة الجنيه هذا صحيح بالفعل ولكنه مجتزأ وناقص يستخدمه البعض بكل أسف للتدليس وخداع البسطاء حيث لا يجب أن يذكر إلا ومعه معدل الدخل وكم الإنفاق مع تحديد قيمة العملة وقوتها الشرائية!.
والسؤال الذي يطرح نفسه لتقريب الأمر للذهن وتبسيطه، كم واحد من المصريين كان يمتلك ذلك الجُنيه الذهبي؟!، وهناك من عاش ومات في القرى والنجوع ولم يمسك جُنيهاً واحداً في حياته كلها، بل إن أحد أهم المشاريع القومية في عهد الملك فاروق كانت #مكافحة_الحفاء!.
ومن الأمور المنكرة أيضاً هذه الأيام تبرئة الملك فاروق من تهم الفساد والمجون والخلاعة بحجة أنها من الدعاية الناصرية!.
وهنا لا يجب أن تفوتنا شهادة الشيخ “محمد الغزالي” وهو البعيد كل البعد عن الناصرية:
«إن الملك فاروق من أحط ملوك الأرض واغلظهم كبدا وأقذرهم يدا، وأنه من فضل الله علينا أن رفضنا السير في موكب العبيد، وقد شننا حربا ضارية علي #الفساد_الملكي وحواشيه وذيوله وظاهره وباطنه، وجرأنا العامة علي النيل منه والتهجم عليه!.
ولئن كانت ثورة الجيش قد أفلحت في اكتساح مساخر الملكية ومفاسدها، فإن ذلك بتوفيق الله، ثم بما نشرنا في طول البلاد وعرضها من أفكار حرة ضد الاستبداد والفوضي»!.[٣]
وقد نشر الشيخ “الغزالي” هذه الأفكار وشن تلك الحرب على الفساد الملكى من خلال خطبه ومقالاته وكتابه الشهير “الإسلام والاستبداد السياسي” الذي كتبه سنة ١٩٥٠م، بعد خروجه من المعتقل في جبل الطور أثناء حكم فاروق وقبل ثورة يوليو بسنتين!.
ليس هذا فحسب بل إن الملك “فاروق”، كان يصر على ممارسة ذلك المجون والانغماس في الشهوات حيث قال لمستشاره الإعلامي “كريم ثابت” في رده على محاولة نصحه بالابتعاد عن الأسباب التي يبني عليها خصوم العرش دعاياتهم ضده، بأنه غير مستعد للتضحية بحريته الشخصية من أجل تخرصات خصومه!.
وهو ما علّق عليه كريم ثابت قائلا: «كان فاروق يعرف أن علاج الموقف في يده وحده وأنه ما تزال أمامه فسحة من الوقت يمكنه -إن شاء- أن يتدارك حاله في خلالها، فينجو بنفسه قبل أن يُشرف على الهاوية، وينقذ عرشه قبل أن يستفحل الخطب ويتعذر تلافي بوادر الانهيار.. ولكنه لم يشأ .. ولم يقوَ على كبح جماح نزواته!.[٤]
ولا يجب أن ننسى #قتل_الإمام_حسن_البنا ، وحل جماعة الإخوان المسلمين واعتقالهم بعد عودتهم من فلسطين جزاءً وِفَاقاً على بسالتهم وبطولاتهم في قتال اليـهود أثناء حرب ١٩٤٨م!.
ولمن يريد الإطلاع على ما تداولته الصحف العالمية قبل ثورة يوليو، عن فساد الملك ومغامراته وإهداره لأموال الشعب على فتيات الليل وموائد القمار الأوروبية، فليراجع ما سجله موثقًا الكاتب الصحفي “أحمد بهاء الدين” في كتابه “فاروق ملكا”، وقدّم له الأستاذ “إحسان عبد القدوس” الكاتب السياسي الكبير إبان العهد الملكي (قبل أن يتحول إلى كاتب للفراش والروايات الجنسية في العهد الناصري)، والكتاب صدر في أغسطس سنة ١٩٥٢م، قبل أن يعرف الناس حتى أن هناك أحدًا اسمه “جمال عبد الناصر”!.
ويثبت ذلك أيضا مقالات شهيرة تُحرّض الناس من أجل الثورة والخروج للقضاء على هذه الملكية العفنة وحكومات الأقلية الفاسدة التي كانت تشتري الوزارة بالمال لدرجة تشكيل نحو ٢٠ حكومة خلال سنوات حكم فاروق البالغة ستّ عشرة سنة!، ومنها مقال الشهيد الأستاذ “سيد قطب”، الذي كان تحت عنوان #ضريبة_الذل ، وتم نشره في يونيو ١٩٥٢م قبل ثورة يوليو بخمسة أسابيع فقط!.
والأمثلة كثيرة لا مجال للخوض فيها جميعا ولكن قبل الختام أود إبراز نقطة في غاية الأهمية؛ وهي أن فكرة إنشاء تنظيم عسكري داخل الجيش لتغيير الأوضاع السياسية في مصر وإصلاحها كان بدايته جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الإمام حسن البنا!.
فقد تولي المهمة الصاغ (رائد) محمود لبيب الذي أسس تنظيم نواته الأولي كانت في مطلع العام ١٩٤٤ مكونة من سبعة ضباط:
١ – اليوزباشي (نقيب) عبد المنعم عبد الرؤوف
٢ – اليوزباشي جمال عبد الناصر حسين
٣ – الملازم أول كمال الدين حسين
٤ – الملازم أول سعد توفيق
٥ – الملازم أول خالد محيي الدين
٦ – الملازم أول حسين أحمد حمودة
٧ – الملازم أول صلاح الدين خليفة
وبناءً عليه كان للإخوان المسلمين دوراً أساسياً وشعبياً في قيام ثورة يوليو منذ بدايتها وقد اعترفت بذلك معظم المذكرات التي كتبت عن أحداث يوليو ١٩٥٢م، ومن أهمها مذكرات “حسين حمودة” الذي استدعته لجنة كتابة التاريخ المصري للإدلاء بشهادته المهمة على الأحداث في منتصف سبعينيات القرن الماضي!.
وهو ما أكده أيضاً اللواء المؤرخ “جمال حماد”، حين تحدث عن دور الإخوان المسلمين في التمركز علي طريق السويس وحراسة بعض المنشآت العامة والسفارات وأماكن العبادة حتي لا يعطوا الفرصة لأعمال تخريبية تتخذها القوات البريطانية ذريعة للتدخل من أجل حماية الأجانب على غرار ما حدث في الثورة العرابية قبل سبعين عاماً!.[٥]
أما الانقلاب الحقيقي للعسكر فقد حدث في سنة ١٩٥٤م، بعد عزل اللواء “محمد نجيب” واعتقال أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وكل الظباط المؤيدين لنجيب ولعدم حكم الجيش والداعين لعودة الديمقراطية ورجوع الضباط لثكانتهم، وهي المطالب التي رفضها “جمال عبد الناصر” ورفقاؤه[***]..
في الأخير أود الإشارة إلى أن الغرض من المقال ليس دفاعاً عن ثورة يوليو بقدر إبداء الخوف على ثورة يناير المجيدة في ٢٠١١م، حتى لا يأتي أحدهم بعد نصف قرن بصور لمنتجعات وقصور مبارك وحاشيته، أو تجمعات الأثرياء ومساكنهم الفاخرة في “مدينتي” و”الشيخ زايد”، فيدعي أن هذا هو الواقع الذي خرج عليه المصريون في ثورتهم ضد “مبارك”، مقارنا عهده بعهد الانقلاب على الثورة في ٣٠ يونيو ٢٠١٣م، مثلما يفعل من يأتي بصورة للقاهرة منذ مائة سنة عندما كانت واحدة من أجمل مدن العالم، ويقول هذا هو العهد الملكي الذي خسرناه؟!.
كتبه الفقير إلى عفو الله / أحمد الشريف
١ ذو الحجة ١٤٤١هـ/٢٢ يوليو ٢٠٢٠م
#معركة_الوعي_أم_المعارك
تنويه:
[*] لم أكن لالتفت إلى مثل تلك الصفحة الكاذبة –فما أكثر الأكاذيب والشائعات على صفحات التواصل– لولا أن وجدت دوياً كبيرا للمنشور بلغ أكثر من ٣٨ ألف إعجاب، و ٣٣ ألف مشاركة!!.
المنشور المزور ووثائق الرد عليه في التعليق الأول..
[**] لمعرفة المقصود بالانقلاب الحقيقي في ١٩٥٤م، يُرجى مراجعة مقال #بداية_حكم_العسكر_في_مصر !، الرابط في التعليق الثاني..
[***] وعن الغيبوبة الجمعية، ونكسات جمال عبد الناصر ، يُرجى مراجعة التعليق الثالث به رابط مقال #يوم_وفاة_الزعيم !.
هوامش المقال:
[١] كنت رئيسا لمصر، محمد نجيب صـ١٢١، ١٢٢..
[٢] شاهد على حكم فاروق، مذكرات مرتضى المراغي، صـ٢٩٠
[٣] في موكب الدعوة، محمد الغزالي، صـ١١٣
[٤] عشر سنوات مع فاروق.. مذكرات كريم ثابت، صـ٣٩١،٣٩٠، دار الشروق، القاهرة سنة ١٤٢١هـ/٢٠٠٠م..
[٥] أطول يوم في تاريخ مصر، جمال حماد، صـ٧١
