طه حسين و محمد عبد الله دراز بين السطحية والعمق

د سامي عامري يكتب

عجيب.. ألم تملّوا من تكرار أسطورة “قاهر الظلام” السِربوني، و”المفكّر الحر”؟!

من يقرأ أطروحة طه حسين في السربون (Étude analytique et critique de la philosophie sociale d’Ibn-Khaldoun) سيذهل من خفّتها وسطحيتها، ولو قارنها بأطروحة الأزهري السربوني محمد عبد الله دراز (La Morale du Coran) في منتصف القرن الماضي، لأدرك البون الشاسع بين الرجلين. ومن ينظر في مقدمة الأطروحة، حيث يتسوّل طه حسين الرحمة من المناقشين، ويخبرهم أنّه رجل “أعمى وغريب”، وأنّ فرنسيته ضعيفة، ثم يتسوّل الرحمة منهم مرة أخرى في ختام الأطروحة، وهو يحدّثهم عن الاحتلال العثماني الذي أعقبه الفتح الفرنسي، فيقول إن مصر نامت بينما خطت أوروبا خطوات كبيرة، ولم تستيقظ إلا بتأثير الحملة البونابرتية المباركة (sous l’influence heureuse de l’expédition de Bonaparte)، فنهضت واحتكت بالأوروبيين الذين غدوا أساتذتها، ثم يقول: “وإني أعتقد بمنتهى اليقين أنّ تأثير أوروبا، وفي مقدمتها فرنسا، سيعيد إلى الذهن المصري كلّ قوته وخصبه الماضيين”؛ فسيعلم مدى تمكّن الانتهازية والوصولية من قلب طه حسين.

ومن يطالع كتاب أنور الجندي “طه حسين في ميزان الإسلام” سيذهل من تقلّبات الرجل السياسية، وتحوله من اتجاه إلى آخر بلا مبدئية قيمية.

وأما علاقة طه حسين بالإسلام، فمن الخيانة أن يختزلها هذا التقرير في موقفه من كلمة في كتاب، وإنما المعركة الكبرى تظهر في ثلاثة أمور أخرى:

أولها: تكذيبه الصريح للقرآن في كتابه “في الشعر الجاهلي” (ص26)، عندما قال: “للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا. ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي… ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعًا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهود، والقرآن والتوراة من جهة أخرى”.

وثانيها: النزعة التغريبية الطفولية عند طه حسين، والتي تظهر في قوله الذي لا يكاد ينطق به أشد المنسلخين من هويتهم الأولى؛ إذ دعا إلى اتباع الغرب، لا في ما عنده من خير فحسب، بل حتى في ما عنده من شر وفساد: “هو أن نأخذ من الحضارة الغربية خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يُحب منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب” (مستقبل الثقافة في مصر)… حالة من الذوبان والعمالة لا تكاد تُجارى.

وثالثها: دعوته الصريحة إلى العلمنة، وتنفيره من سلطة الشريعة، حتى قال: “وقد فرغ الناس من هذا، وأصبحوا لا يفكرون في أنّ الحكومة تقوم على الدين أو لا تقوم عليه.” (من بعيد، ص231).

طه حسين صنم جمّلته العالمانية العربية. براعته في عالم الأدب لا تخفي ضحالته في عالم الفكر، وفوقه في العلم والفهم والإصلاح رجال كثر، خذلتهم آلة الإعلام، وطمستهم آلة السياسة.

اترك تعليقا