توترات هرمز وبحر الصين تربك حسابات الاقتصاد الآسيوي والعالمي

توترات هرمز وبحر الصين تربك حسابات الاقتصاد الآسيوي والعالمي

تصدر ملفا مضيق هرمز وبحر الصين الجنوبي أجندة اجتماعات وزراء خارجية دول رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) وشركاء الحوار في العاصمة الفلبينية مانيلا، في ظل تصاعد المخاوف من اتساع نطاق الأزمات البحرية وانعكاسها على الاقتصاد العالمي. وبينما دعت دول آسيان إلى وقف التصعيد والعودة إلى الحلول الدبلوماسية، ركزت المناقشات على المخاطر التي تهدد أمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة التي تعتمد عليها اقتصادات آسيا بشكل كبير.

ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات متزامنة؛ فمن جهة يثير التصعيد في مضيق هرمز قلقًا بشأن إمدادات النفط والغاز القادمة من الخليج، ومن جهة أخرى تستمر التوترات في بحر الصين الجنوبي، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.

أهمية مضيق هرمز لاقتصادات آسيا

يرى خبراء الاقتصاد والطاقة أن أي اضطراب في الملاحة عبر مضيق هرمز ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصادات الآسيوية، التي تعتمد بصورة كبيرة على واردات النفط والغاز من دول الخليج.

ويؤكد محللون أن دولًا مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند تستورد جزءًا كبيرًا من احتياجاتها النفطية عبر هذا الممر، ما يجعل استقرار الملاحة فيه مسألة تتجاوز البعد الإقليمي لتصبح قضية اقتصادية عالمية.

كما يشير خبراء إلى أن ارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري نتيجة التوترات الأمنية ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة، ويزيد من أعباء الشركات الصناعية وقطاع النقل.

بحر الصين الجنوبي.. تحدٍ موازٍ

في المقابل، لا يقل بحر الصين الجنوبي أهمية عن مضيق هرمز بالنسبة لاقتصادات آسيا، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية سنويًا.

ويرى متخصصون في الشؤون الاستراتيجية أن الجمع بين الأزمتين يثير مخاوف من تعرض أهم الممرات البحرية في العالم لضغوط متزامنة، وهو ما قد يربك حركة التجارة الدولية ويؤثر في تدفق السلع والمواد الخام.

كما يحذر مراقبون من أن استمرار التوتر في البحرين قد يدفع شركات الشحن إلى إعادة ترتيب خطوطها البحرية، الأمر الذي يرفع التكاليف ويطيل فترات النقل.

موقف آسيان

أكدت دول آسيان خلال الاجتماعات أهمية ضبط النفس، والدفع نحو الحلول السياسية، والحفاظ على حرية الملاحة وفق القانون الدولي.

ويرى دبلوماسيون أن الرابطة تحاول الحفاظ على موقف متوازن، فهي تدرك أهمية العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة والصين ودول الخليج في الوقت نفسه، ولذلك تفضل الدعوة إلى الحوار بدلاً من الانحياز لأي طرف.

ويعتقد خبراء العلاقات الدولية أن هذا النهج يعكس سياسة آسيان التقليدية القائمة على التوافق، وتجنب التصعيد، والعمل على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى نزاعات أوسع.

رسائل واشنطن

خلال الاجتماعات، سعى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى طمأنة الشركاء الآسيويين بأن الولايات المتحدة لا تزال منفتحة على المسار الدبلوماسي، رغم استمرار عملياتها العسكرية.

ويرى محللون أن الرسالة الأمريكية هدفت إلى الحد من المخاوف بشأن استقرار الممرات البحرية، مع التأكيد على رفض أي ترتيبات قد تؤدي إلى تغيير قواعد الملاحة الدولية أو تفرض واقعًا جديدًا في الممرات الاستراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن واشنطن تخشى أن يؤدي أي تغيير في آليات إدارة الملاحة في مضيق هرمز إلى خلق سوابق قد تنعكس لاحقًا على ممرات بحرية أخرى، وفي مقدمتها بحر الصين الجنوبي.

تباين في آراء الخبراء

انقسم الخبراء حول حجم المخاطر المحتملة.

فريق يرى أن العالم يمتلك من المرونة ما يسمح باحتواء الأزمات، مستشهدًا بوجود طرق بديلة، واحتياطيات استراتيجية من الطاقة لدى عدد من الدول الصناعية، إضافة إلى قدرة الأسواق على التكيف مع الأزمات المؤقتة.

في المقابل، يرى فريق آخر أن استمرار التصعيد قد يخلق أزمة مركبة، تجمع بين ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب حركة التجارة، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، وهو ما قد ينعكس على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي عالميًا.

ويؤكد بعض المحللين أن استمرار الضغوط على أكثر من ممر بحري في الوقت نفسه قد يكون أخطر من أي أزمة منفردة، لأنه يقلل من قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات.

ردود الفعل الدولية

رحبت بعض الدول بالدعوات الآسيوية إلى التهدئة، معتبرة أن الحلول الدبلوماسية تمثل السبيل الأفضل لحماية الاقتصاد العالمي.

في المقابل، شددت دول أخرى على ضرورة ضمان حرية الملاحة وعدم السماح بتحويل الممرات البحرية إلى ساحات صراع، لما لذلك من آثار تتجاوز حدود المنطقة.

كما أبدت مؤسسات اقتصادية وشركات شحن دولية اهتمامًا بالغًا بنتائج الاجتماعات، في ظل مراقبتها المستمرة لأي تطورات قد تؤثر في حركة السفن والتجارة العالمية.

أبرز التحديات

يواجه المجتمع الدولي عدة تحديات في التعامل مع هذه التطورات، أبرزها:

الحفاظ على أمن الممرات البحرية دون تصعيد عسكري.

حماية تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية.

ضمان استمرار سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

الحد من ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري.

تعزيز التنسيق بين القوى الكبرى لتجنب توسع الأزمات.

تحقيق توازن بين الردع العسكري والحلول الدبلوماسية.

يرى خبراء أن المرحلة المقبلة ستعتمد إلى حد كبير على نجاح الجهود الدبلوماسية في خفض التوتر، إذ إن أي تهدئة في مضيق هرمز ستنعكس إيجابًا على أسواق الطاقة، بينما قد يسهم ضبط التوتر في بحر الصين الجنوبي في تعزيز استقرار التجارة العالمية.

وفي المقابل، يحذر محللون من أن استمرار التصعيد في أي من الممرين البحريين قد يدفع الأسواق إلى مزيد من التقلبات، ويزيد الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة، خصوصًا في آسيا.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو اجتماعات مانيلا محاولة لإرسال رسالة جماعية مفادها أن أمن الممرات البحرية لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في استقرار الاقتصاد العالمي، وأن الحفاظ على حرية الملاحة وتغليب الحلول السياسية سيبقيان الخيار الأكثر واقعية لتجنب أزمات أوسع قد تمتد آثارها إلى مختلف أنحاء العالم.

اترك تعليقا