عون وترامب.. اختبار مصيري لسلاح حزب الله
في وقت يشهد فيه لبنان مرحلة شديدة التعقيد
- السيد التيجاني
- 21 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- إسرائيل, ترامب, تسليم السلاح, حزب الله, عون, لبنان
يمثل اللقاء الذي جمع الرئيس اللبناني جوزاف عون بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض واحدة من أبرز المحطات السياسية في الملف اللبناني خلال الفترة الأخيرة، ليس فقط لأنه أول لقاء من نوعه بين رئيسي البلدين منذ سنوات طويلة، بل لأنه تناول قضية تعد الأكثر حساسية في لبنان، وهي مستقبل سلاح حزب الله، إلى جانب ملف الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، ومستقبل الترتيبات الأمنية التي يجري العمل عليها برعاية أمريكية.
وتأتي هذه المباحثات في وقت يشهد فيه لبنان مرحلة شديدة التعقيد، بعدما أضعفت الحروب المتعاقبة الاقتصاد والبنية التحتية، وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، في ظل استمرار التوتر على الحدود الجنوبية، ووجود القوات الإسرائيلية في مناطق لبنانية، إلى جانب الانقسام الداخلي حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة.
وخلال اللقاء، شدد الرئيس جوزاف عون على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية باعتباره مدخلًا أساسيًا لاستعادة الاستقرار، بينما ركز الجانب الأمريكي على ملف حصر السلاح بيد الدولة، باعتباره أحد الشروط الرئيسية لإنجاح أي تسوية طويلة الأمد.
رؤيتان مختلفتان
يرى مؤيدو الطرح الأمريكي أن استمرار وجود قوة عسكرية خارج مؤسسات الدولة يحد من قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سيادتها الكاملة، ويجعل البلاد عرضة لمواجهات متكررة قد تجرها إلى حروب جديدة.
ويعتقد هؤلاء أن تعزيز دور الجيش اللبناني، ودعمه سياسيًا وعسكريًا، يمثل الطريق الأكثر واقعية لإعادة بناء الدولة، وتحسين البيئة الاستثمارية، وفتح الباب أمام مساعدات دولية يحتاجها لبنان بشدة.
في المقابل، يرى مؤيدو حزب الله أن الحديث عن نزع السلاح لا يمكن فصله عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض الأراضي اللبنانية، واستمرار الانتهاكات الجوية والبرية، معتبرين أن أي نقاش حول مستقبل السلاح يجب أن يكون جزءًا من تسوية شاملة تضمن حماية لبنان وإنهاء جميع أشكال التهديد الخارجي.
كما يرفض الحزب وأنصاره ربط مستقبله العسكري بضغوط خارجية، ويؤكدون أن أي قرار في هذا الشأن يجب أن يكون لبنانيًا داخليًا، وينطلق من توافق وطني لا من إملاءات دولية.
تحديات أمام الرئيس جوزاف عون
يواجه الرئيس اللبناني معادلة شديدة الصعوبة، فهو يسعى إلى تعزيز سلطة الدولة وتنفيذ تعهداته السياسية، لكنه يدرك في الوقت نفسه حساسية ملف حزب الله داخل المجتمع اللبناني.
فالانتقال إلى مرحلة حصر السلاح بيد الدولة يحتاج إلى توافق سياسي واسع، لأن أي خطوات أحادية قد تؤدي إلى زيادة الانقسام الداخلي، وهو ما تحاول الرئاسة اللبنانية تجنبه.
كما أن الحكومة مطالبة بإقناع مختلف القوى السياسية بأن أي ترتيبات أمنية جديدة لن تكون على حساب التوازنات الداخلية أو الاستقرار الوطني.
الموقف الأمريكي
تنظر واشنطن إلى لبنان باعتباره جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وترى أن استقرار الجنوب اللبناني يرتبط أيضًا بأمن الحدود مع إسرائيل.
وتعتبر الإدارة الأمريكية أن نجاح الاتفاق يتطلب تنفيذ جميع بنوده، بما في ذلك تعزيز انتشار الجيش اللبناني، ومنع وجود أي تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة.
ويرى بعض المحللين أن الإدارة الأمريكية قد تستخدم أدوات متعددة لدفع العملية السياسية، من بينها المساعدات الاقتصادية، والدعم العسكري للجيش اللبناني، والضغوط الدبلوماسية على الأطراف الإقليمية.
الموقف الإسرائيلي
من الجانب الإسرائيلي، يظل التركيز منصبًا على منع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله، وضمان عدم عودة التهديدات الصاروخية إلى الحدود الشمالية.
وترى إسرائيل أن أي اتفاق لا يتضمن ترتيبات أمنية صارمة وآليات رقابة فعالة لن يحقق الاستقرار المطلوب، وهو ما يجعلها حريصة على متابعة تنفيذ أي تفاهمات ميدانية.
التباين داخل لبنان
لا يقتصر الخلاف على الحكومة وحزب الله، بل يمتد إلى الساحة السياسية بأكملها.
فهناك قوى تعتبر أن اللحظة الحالية تمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة، وإنهاء ازدواجية القرار الأمني والعسكري.
وفي المقابل، ترى قوى أخرى أن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وتأمين عودة النازحين، قبل فتح ملف السلاح.
كما أن جزءًا من الرأي العام اللبناني يخشى أن يؤدي أي تصعيد سياسي حول هذا الملف إلى تعطيل الإصلاحات الاقتصادية، وتأخير التعافي المالي الذي ينتظره اللبنانيون.
البعد الإقليمي
لا يمكن فصل الملف اللبناني عن التطورات الإقليمية، فلبنان يتأثر بصورة مباشرة بالعلاقات بين إيران والولايات المتحدة، وكذلك بالمواقف العربية والدولية.
ويرى مراقبون أن أي تقدم في مسار التهدئة الإقليمية قد ينعكس إيجابًا على الوضع اللبناني، بينما قد يؤدي تصاعد التوتر بين القوى الإقليمية إلى تعقيد أي جهود داخلية.
كما أن سوريا تظل عاملًا مؤثرًا في المشهد، بحكم الحدود المشتركة والتداخل الأمني والسياسي بين البلدين.
التحديات الاقتصادية
حتى إذا تحقق تقدم سياسي، فإن لبنان سيواجه تحديات اقتصادية هائلة.
فالبلاد تحتاج إلى إعادة إعمار واسعة، وإصلاحات مالية وإدارية، واستعادة ثقة المستثمرين، إضافة إلى معالجة أزمة القطاع المصرفي والديون العامة.
ويرى اقتصاديون أن نجاح أي تسوية أمنية قد يفتح الباب أمام استثمارات ومساعدات دولية، لكن ذلك سيظل مرتبطًا بقدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
السيناريوهات المحتملة
يتحدث المحللون عن عدة سيناريوهات للمرحلة المقبلة.
السيناريو الأول يتمثل في نجاح المفاوضات، مع انسحاب إسرائيلي تدريجي، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، والتوصل إلى تفاهم داخلي بشأن مستقبل السلاح ضمن إطار الدولة.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار المفاوضات دون حسم، مع بقاء حالة التوتر السياسي والأمني، وتأجيل القرارات الكبرى إلى مراحل لاحقة.
بينما يتمثل السيناريو الثالث في تعثر المباحثات، وعودة التصعيد العسكري، وهو الاحتمال الذي يحذر منه كثير من المراقبين لما قد يحمله من تداعيات على لبنان والمنطقة.
يرى الباحث اللبناني قاسم قصير أن أي معالجة لملف سلاح حزب الله يجب أن تتم عبر حوار وطني شامل، لأن فرض حلول من الخارج قد يزيد الانقسام الداخلي.
ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي خير الله خير الله أن تعزيز مؤسسات الدولة والجيش اللبناني يمثل خطوة ضرورية لاستعادة الاستقرار، لكنه يؤكد أن ذلك يحتاج إلى توافق سياسي داخلي.
أما الباحث في الشؤون الاستراتيجية رياض قهوجي فيرى أن نجاح أي ترتيبات أمنية يعتمد على وجود ضمانات متبادلة، تشمل أمن لبنان وانسحاب إسرائيل، إلى جانب آليات واضحة لتنفيذ الاتفاقات.
ويشير المحلل السياسي سركيس نعوم إلى أن المجتمع الدولي ينظر إلى استقرار لبنان باعتباره عنصرًا مهمًا في أمن شرق المتوسط، ولذلك فإن الضغوط الدبلوماسية ستستمر لدفع الأطراف نحو حلول تفاوضية.
يكشف لقاء جوزاف عون ودونالد ترامب أن لبنان يقف أمام مرحلة مفصلية قد تعيد رسم معادلاته السياسية والأمنية. وبين المطالب الأمريكية بحصر السلاح بيد الدولة، وإصرار لبنان على استكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتمسك حزب الله بموقفه، تبقى فرص النجاح مرتبطة بقدرة جميع الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة، وتغليب الحلول السياسية على منطق المواجهة. وستكون الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الجهود ستفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار، أم ستبقي البلاد في دائرة الأزمات الممتدة.
