العجز العسكري الأمريكي عن فتح مضيق هرمز

مصطفي السعيد يكتب

للأسبوع الثاني لم تتمكن القوات الأمريكية من فتح مسار أمام السفن العالقة في الخليج، سواء كانت تحمل شحنات من النفط أو الغاز أو البتروكيماويات والأسمدة والهيليوم وغيرها من المنتجات الضرورية لضخ الدماء في الإقتصاد العالمي المعرض للإنكماش والكساد. نجحت القوات الأمريكية الجوية والبحرية في إيقاع خسائر جسيمة في الموانئ والمواقع البحرية الإيرانية المطلة على مضيق هرمز والمحيط الهندي، لكن كل هذه الغارات لم تفلح في فتح ممر آمن أمام السفن، وأصيبت عدة سفن بأضرار جسيمة، واشتعلت فيها النيران عندما تحركت في المسار القريب من شواطئ سلطنة عمان، واعتقدت أنها آمنة تحت الحماية البحرية والجوية الأمريكية، لتتوقف حركة الملاحة تماما في هذا المسار، وتلجأ السفن إلى المسار الذي حددته القوة البحرية لحرس الثورة الإيراني، وهو المسار المهدد حاليا بالحصار البحري الأمريكي الذي سيوقف حركة الملاحة تماما في الخليج، فهل تعلن الولايات المتحدة عجزها عن فتح المضيق، وتكتفي بتشديد الحصار، وتظل أزمات النفط والغاز والأسمدة تتفاقم في العالم، ويستمر الصعود السريع للأسعار؟
الخيارات ضيقة وصعبة أمام القوات الأمريكية، فهناك خطة السيطرة على الجزر الحاكمة والمطلة على خليج هرمز، وأهمها طنب الكبرى وطنب الصغرة وأبو موسى وقشم ولارك وهرمز، فهل يمكن للقوات الأمريكية أن تحتل هذه الجزر وتفتح المضيق؟ من الممكن إحتلال الجزر، لكن الثمن سيكون فادحا، وستتكبد القوات الأمريكية خسائر جسيمة في الأرواح يصعب أن تتحملها، فسوف تتعرض قوات الإنزال لوابل من القذائف أثناء الإقتحام وبعد الإحتلال، والأخطر أن الدولة التي ستسمح بانطلاق قوات الإنزال من شواطئها أو تزودها بالإمدادات ستتعرض لعمليات إنتقامية من الجانب الإيراني، وتتضرر موانئها وبنيتها التحتية، ومنها محطات تحلية المياه وإنتاج الكهرباء لضربات مؤلمة للغاية، حيث تعتمد دول الخليج على المياه المحلاة بنسبة تصل إلى 90%، وبالتالي سيتعرض السكان للعطش، كما لا يمكن للسكان تحمل انقطاع الكهرباء، خاصة في صيف ترتفع فيه الحرارة إلى ما فوق 50 درجة مئوية، ويمكن أن يصل الأمر إلى إحراق آبار النفط والغاز والمصافي والخزانات. وتتحول منطقة الخليج إلى كتلة نيران هائلة، ولن تكون خسارة العالم نقص الإمدادات البترولية أو توقفها المؤقت، وإنما خسارتها التامة إلى أمد طويل. ورغم أن سيناريو الإقتحام العسكري للجزر مرعب، إلا أنه لن يحقق هدف فتح مسار آمن للسفن بعد كل هذه المخاطر، فهناك القوات الإيرانية على المدخل الشرقي للمضيق والخليج، فهل يمكن أن تحتله القوات الأمريكية بعملية برية؟ بالطبع يمكن، لكن الخسائر ستكون أكبر وأشد إيلاما، لكنها أيضا لن تفتح مسارا آمنا للسفن، ويكفي إطلاق عدة طائرات مسيرة من أي مكان في إيران لتعطيل الملاحة، وهذا يعني أن على القوات الأمريكية أن تحتل إيران بأكملها، وهذه مهمة صعبة للغاية، وتكلفتها أصعب من أن تتحمله الولايات المتحدة التي ستضطر إلى فرض التجنيد الإجباري ودفع ملايين الشباب إلى الخدمة العسكرية، وتحويل الإقتصاد المأزوم إلى خدمة إقتصاد الحرب، وهذا يعني أن الحل العسكري مكلف جدا، وليس أمام الولايات المتحدة إلا خيارين، الأول أن توجه عدة ضربات قوية لإيران وتعلن الإنتصار والإنسحاب من المنطقة، وتطلب من دولها أن تتولى شئون نفسها، أو أن تعود إلى مذكرة التفاهم، وتذعن للمطالب الإيرانية التي وردت في مذكرة التفاهم، والتي يراها الكثيرون وثيقة هزيمة أمريكية سيكون لها تداعياتها على النفوذ الأمريكي في المنطقة والعالم.
لم يعد بالإمكان أن تستمر القواعد العسكرية الأمريكية كالسابق، بعد أن أثبتت أنها عاجزة عن حماية نفسها، وليس في أولوياتها مصلحة الدول التي تستضيفها، لتصبح عبئا عليها، بدل أن تكون حامية لها، ولا يمكن أن يتكرر السيناريو الأوكراني في المنطقة بأن تتحول دول الخليج والأردن إلى ساحة قتال بين معسكرين، فالخسارة مزدوجة في هذه الحالة، مما سيدفع تلك الدول إلى البحث عن مظلة أمنية بديلة عن “الحماية الأمريكية” الفاشلة والمكلفة، وستكون معركة مضيق هرمز فاصلة وحاسمة ومحددة لجدوى الوجود العسكري الأمريكي.

اترك تعليقا