سطحية العقول..كيف تتحول السذاجة إلى وقود للثروة والنفوذ؟
بين التسويق والإعلام والسياسة، تتنافس القوى المختلفة على توجيه السلوك الجماعي
- معاذ الجمال
- 20 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- اقتصاد, الإعلام, الاستثمار, الاقتصاد العالمي, التسويق
قد يبدو للوهلة الأولى أن الاقتصاد تحركه المصانع، وأسواق المال، وأسعار الفائدة، والتجارة الدولية، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا، فقبل أن يتحرك المال، يتحرك العقل، وقبل أن تُتخذ القرارات الاقتصادية، تتشكل القناعات، ومن هنا.. لم تعد العقول البشرية مجرد متلقية للسياسات الاقتصادية، بل أصبحت هي نفسها موردًا اقتصاديًا بالغ القيمة.
وفي عصر “الاقتصاد الرقمي”، لم تعد الثروة تُقاس فقط بـ”النفط” أو “المعادن” أو “التكنولوجيا”، بل أيضًا بقدرة الجهات المختلفة على جذب انتباه الناس وتوجيه سلوكهم، وكلما انخفض مستوى التفكير النقدي، وارتفعت السطحية الفكرية، أصبح التأثير في قرارات الأفراد أسهل، سواء كان ذلك لدفعهم إلى الاستهلاك، أو توجيههم سياسيًا، أو حتى التأثير في الأسواق المالية، لذلك لم يعد السؤال: “كيف تنتج الدول الثروة؟” بل أصبح أيضًا: “كيف تُدار عقول المستهلكين والناخبين والمستثمرين؟”.
عندما تصبح السطحية نموذجًا للربح..
لم يعد الاقتصاد الحديث يبيع السلع فقط، بل يبيع الانتباه، فكل دقيقة يقضيها المستخدم أمام شاشة الهاتف أصبحت مصدرًا للإيرادات، سواء عبر الإعلانات أو البيانات أو زيادة الاستهلاك، وبحسب تقرير صادر عن منصة “DataReportal” (المتخصصة في تحليل البيانات والإحصاءات الرقمية العالمية، والتي تُعد أحد أبرز المراجع الدولية لرصد اتجاهات استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي)، يقضي مستخدمو الإنترنت حول العالم جزءًا كبيرًا من يومهم على المنصات الرقمية، وفي المقابل.. يشير باحثون في “الاقتصاد السلوكي” و”الإعلام الرقمي” إلى أن نموذج أعمال هذه المنصات يقوم على ما يُعرف بـ”اقتصاد الانتباه”، حيث تُصمم الخوارزميات لتعظيم مدة التفاعل وجذب المستخدمين، وهو ما قد يمنح المحتوى السريع والمثير أفضلية على المحتوى التحليلي المتعمق، نظرًا لقدرته الأكبر على تحقيق التفاعل والإيرادات الإعلانية.
وفي السياق ذاته.. تشير “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”، إلى أن “الاقتصاد الرقمي” غيّر نماذج الأعمال جذريًا، وأصبحت البيانات وسلوك المستهلك من أهم الأصول الاقتصادية التي تعتمد عليها الشركات في تعظيم أرباحها، ولأن المحتوى السريع والمثير يجذب الجمهور أكثر من التحليل العميق، فقد دفعت الخوارزميات كثيرًا من المنصات إلى تفضيل المحتوى العاطفي والمثير للجدل، وهو ما يؤدي إلى انتشار السطحية الفكرية بصورة غير مباشرة، ولا يعني ذلك وجود مؤامرة، بل نتيجة لحوافز اقتصادية، فكلما زاد التفاعل، زادت الإيرادات الإعلانية، ويترتب على ذلك آثار اقتصادية واسعة، إذ ترتفع معدلات الاستهلاك الاندفاعي، وتزداد المشتريات غير المخطط لها، بينما تتوسع الشركات في توظيف التسويق القائم على “التأثير النفسي” أكثر من التركيز على “القيمة الحقيقية للمنتج”.
كيف يخدم الرأي العام السياسات الاقتصادية؟
لا يمكن القول إن الحكومات “تصنع” السطحية الفكرية بشكل عام، لكن من المعروف في “علم السياسة والاتصال” أن الحكومات في مختلف الأنظمة تسعى إلى التأثير في “الرأي العام” لكسب التأييد لسياساتها، وتختلف الوسائل المستخدمة وحدودها من دولة إلى أخرى، وبحسب تقرير (Edelman Trust Barometerـ مؤشر إيدلمان للثقة)، تلعب الثقة في الحكومات ووسائل الإعلام دورًا محوريًا في تقبل المواطنين للقرارات الاقتصادية الصعبة، مثل “رفع الضرائب” أو “خفض الدعم” أو “تنفيذ برامج التقشف”، كما يشير “البنك الدولي” في العديد من تقاريره حول الإصلاحات الاقتصادية إلى أن نجاح السياسات لا يعتمد على تصميمها المالي فقط، بل أيضًا على قدرة الحكومات على التواصل مع المواطنين وشرح أهدافها وتقليل المقاومة المجتمعية.
وفي المقابل، يحذر باحثون في الإعلام السياسي من أن ضعف التفكير النقدي وانتشار المعلومات المضللة قد يجعل جزءًا من “الرأي العام” أكثر قابلية لتبني روايات غير دقيقة أو مبسطة حول القضايا الاقتصادية، وهو ما قد يؤثر في النقاش العام واتخاذ القرار، ولا يقتصر الأمر على الحكومات، فالأحزاب السياسية، وجماعات الضغط، والشركات الكبرى، وحتى المؤثرون على منصات التواصل، جميعهم يسعون إلى كسب التأييد والتأثير في اتجاهات الجمهور، لأن “الرأي العام” أصبح موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن “رأس المال”.
السذاجة.. الخسائر التي لا تظهر في الميزانيات..
قد لا تُسجل السطحية الفكرية في الحسابات القومية، لكنها تترك آثارًا اقتصادية ملموسة، وبحسب “المنتدى الاقتصادي العالمي”، أصبحت المعلومات المضللة والتضليل الإعلامي من بين أبرز المخاطر العالمية خلال السنوات المقبلة، لما لهما من تأثير في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وثقة المستثمرين، والأسواق، كما تؤكد “اليونسكو” (UNESCO)، أن تعزيز الثقافة الإعلامية والتفكير النقدي يمثلان عنصرين أساسيين في بناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة التضليل واتخاذ قرارات مستنيرة.
وعندما تنتشر الشائعات الاقتصادية، قد يندفع الأفراد إلى سحب (الودائع من البنوك)، أو (شراء السلع بشكل هستيري)، أو (المضاربة في الأصول المالية) دون أسس حقيقية، وهو ما يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسواق، كذلك فإن المستهلك الذي يتخذ قراراته بناءً على الانطباعات السريعة أكثر من المعلومات الدقيقة، يصبح أكثر عرضة للديون والاستهلاك المفرط، بما ينعكس على الاقتصاد الكلي، وفي المقابل.. فإن المجتمعات التي تستثمر في التعليم، ومهارات التفكير النقدي، والشفافية، غالبًا ما تكون أكثر قدرة على دعم الابتكار، ورفع الإنتاجية، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.
الوعي الاقتصادي.. خط الدفاع الأول..
المعركة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، لم تعد تدور فقط حول “النفط” أو “التكنولوجيا” أو “رأس المال”، بل أصبحت تدور أيضًا حول الوعي، فالعقل القادر على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المعلومة والشائعة، وبين الحاجة والرغبة، أصبح أحد أهم الأصول الاقتصادية في العصر الحديث.
ولهذا.. فإن السطحية الفكرية ليست مجرد قضية ثقافية أو تعليمية، بل قد تتحول إلى تكلفة اقتصادية باهظة عندما تؤدي إلى قرارات استهلاكية أو استثمارية أو سياسية غير رشيدة أو منضبطة، وفي المقابل.. فإن بناء وعي نقدي لا يضمن فقط مجتمعًا أكثر معرفة، بل يخلق أيضًا اقتصادًا أكثر كفاءة واستقرارًا وقدرة على مواجهة الأزمات.
