حرب السيارات الكهربائية.. ما بين الرسوم الجمركية والدعم الحكومي

صراع عالمي على قيادة صناعة المستقبل

خلف الوعود البراقة بمستقبل نظيف وخالٍ من الانبعاثات الكربونية، تدور واحدة من أعنف الحروب الاقتصادية في التاريخ الحديث، ففي عام 2026، تحولت السيارات الكهربائية من رمز لإنقاذ كوكب الأرض، إلى ساحة مواجهة بين القوى التصنيعية الثلاث الكبرى: “بكين”، و”واشنطن”، و”بروكسل”.

لم يعد التنافس يدور حول جودة المحرك أو سعة البطارية، بل حول من يقدم الدعم المالي الأكبر لحماية صناعته المحلية وخنق المنافسين، فالرسوم الجمركية المتبادلة، والمدعومة بحجج “حماية الأمن القومي”، تكشف حقيقة صادمة وهي أن العالم مستعد لتأخير التحول الأخضر وإشعال فتيل حرب تجارية شاملة، شريطة ألا يفوز الخصم الجيوسياسي بلقب رائد التكنولوجيا الخضراء.

التفوق الصيني وحصن الدعم المالي..

لسنوات طويلة، عملت “الصين” بصمت على بناء منظومة متكاملة لإنتاج “السيارات الكهربائية” وبطارياتها، بدءاً من المناجم الأفريقية لاستخراج “الليثيوم” و”الكوبالت”، وصولاً إلى مجمعات التصنيع الضخمة في “شينزين الصينية”، ومدعومة بتمويلات حكومية مباشرة وقروض ميسرة لا متناهية من البنوك المملوكة للدولة، تمكنت الشركات الصينية، مثل “BYD”، من إنتاج سيارات كهربائية عالية الجودة وبأسعار لا تستطيع المصانع الغربية منافستها.

وتشير تقارير “مؤسسة بروجيل للأبحاث الاقتصادية” في “بروكسل” إلى أن هذا “الدعم الصناعي الهائل” سمح لـ”الصين” بالسيطرة على ما يقرب من (60%) من السوق العالمي للسيارات الكهربائية، ونحو (80%) من إنتاج البطاريات، وأثار هذا التفوق الكاسح مخاوف حقيقية في الغرب من تكرار سيناريو انهيار صناعة الألواح الشمسية الأوروبية أمام الغزو التجاري الصيني، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى إغلاق أسواقهما عبر رفع الجدران الجمركية.

الرسوم الجمركية درع وقائي أخير..

أمام هذا التوسع والانتشار التصنيعي الصيني الجارف، لم تجد “الولايات المتحدة” و”الاتحاد الأوروبي” خيارًا آخر غير اللجوء إلى الحمائية الصريحة، ففي “واشنطن”، يواصل (قانون خفض التضخم)، تقديم “حوافز ضريبية سخية” تُقدر بمئات المليارات من الدولارات للسيارات المصنعة بالكامل “داخل أمريكا الشمالية”، بالتزامن مع “فرض رسوم جمركية” تتجاوز (100%) على “السيارات الكهربائية الصينية”، لمنعها عملياً من دخول “السوق الأمريكية”، أما في “بروكسل”، فقد فرض “الاتحاد الأوروبي” رسوماً تعويضية قاسية على الواردات الصينية، بعد تحقيقات مكثفة خلصت إلى أن الشركات الصينية تتلقى دعماً حكومياً غير عادل.

ويرى محللو (معهد أكسفورد البريطاني لدراسات الطاقة)، أن هذه الإجراءات الحمائية، رغم أنها تحمي مؤقتاً ملايين الوظائف في قطاع السيارات التقليدي في “ألمانيا” و”فرنسا” و”الولايات المتحدة”، فإنها ترفع أسعار السيارات الكهربائية أمام المستهلك الغربي بنسبة تتراوح بين (20%) و(30%)، وهو ما يبطئ وتيرة التخلي عن (سيارات البنزين والديزل)، ويهدد بتقويض الأهداف المناخية الرسمية لـ”عام 2030″.

كيف يدمر التنافس الجيوسياسي طموحات المناخ؟

تتجلى المفارقة في هذه المعركة الشرسة في أن الضحية الأولى لـ”القومية الخضراء” هي البيئة العالمية ذاتها، فإن تفتيت سوق التكنولوجيا النظيفة يمنع الاستفادة من “وفورات الحجم” (أي خفض تكلفة الإنتاج عبر التصنيع بكميات كبيرة)، التي كانت كفيلة بخفض “أسعار البطاريات” و”الطاقة المتجددة” إلى مستويات قياسية تجعلها في متناول الجميع، وبدلاً من التعاون الدولي لنشر تقنيات حماية المناخ، تصر الحكومات على توطين هذه الصناعات المعقدة محلياً، حتى وإن كانت التكلفة الاقتصادية والبيئية أعلى بكثير.

ويتوقع تقرير “الوكالة الدولية للطاقة”، لعام 2026 أن تؤدي (حروب الرسوم الجمركية الحالية)، إلى إبطاء معدل تبني المركبات الكهربائية عالمياً بنحو (15%) خلال السنوات الخمس المقبلة، وهذا التباطؤ يعني استهلاك مليارات إضافية من “براميل النفط”، بما يثبت أن الحسابات السياسية الضيقة وصراع الهيمنة الصناعية يتقدمان في كثير من الأحيان، على مصلحة الكوكب ومستقبل أجياله القادمة.

اترك تعليقا