كيف أصبحت السياسات الخارجية تُقاس بمنطق الربح والخسارة؟

العالم بين براغماتية المصالح وتآكل الثقة الدولية

وداعاً لعصر الاتفاقيات متعددة الأطراف، والتحالفات الاستراتيجية الممتدة لعقود، والمبادئ المشتركة التي صاغت وجه العالم بعد الحرب العالمية الثانية.. ففي عام 2026 اختلف المشهد جذريًا، حيث يحكم المجتمع الدولي مبدأ وحيد وصارم: “ماذا ستقدم لي اليوم؟.. لقد تراجعت القوانين الدولية الراسخة لتفسح المجال أمام “الدبلوماسية القائمة على الصفقات”، حيث يُنظر إلى العلاقات السياسية والاقتصادية باعتبارها دفتر حسابات تجاري تُصفّى بنوده بصورة فورية، ولا يقتصر أثر هذا التحول البراغماتي الحاد على إعادة كتابة قواعد الجغرافيا السياسية، بل يفرض أيضاً على الشركات العابرة للقارات تكلفة غير مرئية تُعرف بـ”عدم اليقين الهيكلي”، محولاً خريطة الاستثمار العالمي إلى حقل ألغام قد يتغير موقعه مع كل تغريدة أو تصريح يصدر عن زعيم سياسي.

سقوط التعددية..وصعود دبلوماسية الاتفاقيات الثنائية..

تُعد المؤسسات الدولية التي رعت العولمة لعقود، هي الضحية الأبرز لهذا النهج النفعي الجديد، وتقف “منظمة التجارة العالمية” (WTO) اليوم مشلولة إلى حد كبير وعاجزة عن تسوية النزاعات التجارية، بعدما فضّلت القوى الكبرى اللجوء إلى الاتفاقيات الثنائية الانتقائية والمفاوضات المباشرة خلف الأبواب المغلقة.

وفي هذا المناخ الذي يميز “عام 2026″، تستخدم الدول الكبرى حجم أسواقها أداةً للضغط على الدول الأصغر، وإجبارها على تقديم تنازلات تجارية وسيادية مجحفة ضمن اتفاقيات لا تحكمها معايير قانونية دولية موحدة، وتشير تقارير “تشاتام هاوس” (المعهد الملكي للشؤون الدولية بـ لندن) إلى أن هذا التفتت القانوني يرفع تكلفة الامتثال على الشركات، ويخلق بيئة استثمارية متقلبة تغيب عنها الشفافية وحكم القانون.

الاستثمارات تحت وطأة عدم اليقين..

تعاني بيئات الأعمال العالمية من حالة مزمنة من القلق والتردد الاستثماري، فعندما تصبح التحالفات الاقتصادية قابلة للإلغاء بقرار سياسي مفاجئ، تفقد الشركات قدرتها على التخطيط طويل الأجل، الذي يعتمد في الأساس على استقرار القوانين والضرائب وإمكانية الوصول إلى الأسواق.

وتفيد المسوح الدورية الصادرة عن “مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية”، بأن “تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر”، اتخذت مسارات أكثر حذراً، حيث يجري تجنب المشروعات الكبرى ذات العوائد طويلة الأجل، مثل مشروعات البنية التحتية والموانئ، لصالح استثمارات سريعة العائد وسهلة التصفية، ويؤدي هذا “الاستثمار الهش قصير الأجل” إلى إبطاء وتيرة التنمية المستدامة في الدول النامية، التي تفتقر إلى “الأموال الساخنة” وتعتمد بصورة أساسية على المشروعات الرأسمالية طويلة الأمد لبناء اقتصاداتها.

ابتزاز الأمن والطاقة..عندما تصبح المصالح سلعة للتفاوض..

في عالم الصفقات المباشرة، لم يعد هناك فصل بين ملفات “الأمن” و”الطاقة” و”حقوق الإنسان”؛ إذ بات كل شيء مطروحاً على طاولة المفاوضات للمساومة والمقايضة، فنرى اليوم دولاً تساوم على “إمدادات الغاز الطبيعي” أو “النفط” مقابل (صمت سياسي عن انتهاكات حقوقية)، بينما تربط دول أخرى صفقات التكنولوجيا المتقدمة بتبني مواقف أمنية محددة تجاه قوى دولية منافسة.

ويرى خبراء السياسة الدولية في “مؤسسة راند الأمريكية” (وهي واحدة من أشهر بيوت الأبحاث ومراكز الفكر في العالم، وتختص بإجراء الدراسات والتحليلات في مجالات الأمن والدفاع والسياسة الخارجية والاقتصاد والتكنولوجيا والصحة العامة)، أن هذا السلوك البراغماتي الفج يقلل من موثوقية التحالفات الدفاعية التقليدية، مثل “حلف الناتو”، ويجعل الدول الصغيرة تعيش في حالة دائمة من القلق خشية تخلي حلفائها الكبار عنها بمجرد تلقيهم عرضاً اقتصادياً أفضل من خصومها، وهو ما يحفز بدوره سباق تسلح إقليمي متسارع حول العالم سعياً إلى ضمان البقاء الذاتي.