الاقتصاد التعاوني.. استثمار يحقق النمو والتنمية

نموذج اقتصادي يجمع بين الكفاءة والعدالة الاجتماعية ويفتح آفاقًا جديدة لدعم الإنتاج

في عالم يواجه تحديات متزايدة تتعلق بالأمن الغذائي، وارتفاع تكاليف الإنتاج، واتساع الفجوة بين المشروعات الكبرى والصغيرة، يبرز «الاقتصاد التعاوني» باعتباره أحد أكثر النماذج الاقتصادية قدرة على الجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، فلم تعد التعاونيات الزراعية والاستهلاكية والائتمانية مجرد كيانات محلية محدودة النشاط، بل أصبحت في العديد من الاقتصادات المتقدمة ركيزة أساسية لدعم الإنتاج، وتعزيز التنافسية، وتوفير فرص العمل، وتحقيق التنمية المستدامة، كما يمثل هذا النموذج فرصة واعدة للدول العربية والإسلامية لتوسيع قاعدة الاستثمار، وتمكين صغار المنتجين، وتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي.

قوة الاقتصاد التعاوني..

تشير بيانات “التحالف التعاوني الدولي”، إلى أن التعاونيات تضم أكثر من “مليار عضو حول العالم”، بينما تؤكد “منظمة العمل الدولية”، أنها توفر أو تدعم سبل العيش لما يقارب “280 مليون شخص”، أي نحو 10% من القوة العاملة العالمية، كما تؤكد “منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة” (FAO)، أن “التعاونيات الزراعية” تؤدي دورًا محوريًا في تحسين الإنتاجية، وخفض تكاليف المدخلات، وتسهيل وصول المزارعين إلى الأسواق والتمويل والتقنيات الحديثة.

ورغم أن مفهوم التعاونيات بصورته المؤسسية الحديثة تطور خلال القرنين الماضيين، فإن «الحضارة الإسلامية» عرفت منذ قرون نماذج متنوعة من الشراكات الاقتصادية، من أبرزها: “شركة المضاربة”، وهي شراكة يقدم فيها أحد الطرفين رأس المال بينما يتولى الآخر الإدارة والعمل، ويتقاسمان الأرباح وفق اتفاق مسبق، بينما يتحمل صاحب المال الخسارة المالية ما لم يثبت تقصير المضارب، كما عرفت “شركة العِنان”، التي يشترك فيها طرفان أو أكثر برؤوس أموالهم وأعمالهم، ويتقاسمون الأرباح والخسائر وفق الضوابط الشرعية، وبرزت أيضًا “شركة الوجوه”، التي تقوم على ائتمان الشركاء وسمعتهم التجارية للحصول على السلع بالأجل ثم بيعها وتقاسم أرباحها، وإلى جانب ذلك.. شكّل “نظام الوقف” أحد أهم أدوات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إذ يقوم على تخصيص أصل أو مال بصورة دائمة، لايُباع ولا يُورّرث، وإنما يكون لخدمة المجتمع وتمويل التعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة، بما يعزز التكافل والاستدامة الاقتصادية.

كما أسهمت أبحاث الاقتصادية الحائزة على جائزة نوبل “إلينور أوستروم” في إبراز قدرة المجتمعات المحلية على إدارة الموارد المشتركة بكفاءة عندما تستند إلى مؤسسات قوية وقواعد واضحة للمساءلة والتعاون، وهو ما عزز الاهتمام العالمي بالنماذج الاقتصادية القائمة على المشاركة المجتمعية.

فرص الاستثمار والتكامل..

يمتلك العالم العربي والإسلامي فرصًا واسعة لتوسيع دور “التعاونيات” في قطاعات “الزراعة”، و”الصيد البحري”، و”الصناعات الصغيرة”، و”الحرف التقليدية”، و”الإسكان”، و”التسويق”، و”التمويل”، بما يعزز القدرة التفاوضية للمنتجين، ويخفض تكاليف الإنتاج، ويرفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية.

ومن أبرز فرص التكامل إنشاء اتحادات تعاونية عربية وإسلامية لتبادل الخبرات، وإطلاق برامج تدريب مشتركة، وتطوير منصات رقمية موحدة لتسويق المنتجات التعاونية داخل الأسواق الإقليمية والعالمية، بما يسهم في توسيع فرص التصدير وتعزيز سلاسل القيمة، كما يمكن للمؤسسات المالية الإسلامية تطوير أدوات تمويل «متوافقة مع أحكام الشريعة» لدعم التعاونيات، وتمويل توسعها الإنتاجي، والاستثمار في التكنولوجيا والابتكار، وتحسين جودة المنتجات، مع الالتزام بمعايير الحوكمة والاستدامة البيئية.

وتشير دراسات “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”، و”منظمة العمل الدولية” إلى أن العديد من المؤسسات التعاونية أظهرت قدرة ملحوظة على الصمود خلال بعض الأزمات الاقتصادية، بفضل اعتمادها على الملكية الجماعية، والمشاركة في اتخاذ القرار، وإعادة استثمار جزء من الفوائض في تطوير النشاط وتحسين الخدمات المقدمة للأعضاء.

التحديات وآفاق المستقبل..

يسهم «الاقتصاد التعاوني» في تقليص حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك، ورفع دخول المزارعين والحرفيين، وتعزيز التصنيع المحلي، وتشجيع ريادة الأعمال، خصوصًا في المناطق الريفية والأقل نموًا، كما تستطيع الجامعات ومراكز الأبحاث دعم هذا القطاع عبر تطوير برامج أكاديمية متخصصة في إدارة التعاونيات، والاقتصاد الاجتماعي، وسلاسل القيمة، وربط البحث العلمي باحتياجات التنمية المحلية.

ورغم هذه المزايا، لا تزال التعاونيات في العديد من الدول تواجه تحديات تتعلق بضعف الإدارة، ونقص التمويل، وتفاوت الأطر التشريعية، والحاجة إلى تحديث نظم الحوكمة والرقابة، وتعزيز الشفافية، ورفع كفاءة الكوادر الإدارية لمواكبة التحول الرقمي والتطورات الاقتصادية.

ويرى خبراء “التحالف التعاوني الدولي”، أن مستقبل التعاونيات سيكون أكثر ارتباطًا بالتحول الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والابتكار الاجتماعي، بما يفتح أمامها أسواقًا جديدة ويزيد من كفاءتها التشغيلية، كما تؤكد “منظمة العمل الدولية” و”منظمة الأغذية والزراعة” أن التعاونيات ستظل إحدى الأدوات المهمة لتحقيق التنمية المستدامة، ودعم المشروعات الصغيرة، وتعزيز الاقتصاد الاجتماعي وسلاسل الإنتاج المحلية.

وفي ظل التحولات الاقتصادية العالمية، يمثل “الاقتصاد التعاوني” فرصة استراتيجية للدول العربية والإسلامية لبناء نموذج تنموي أكثر شمولًا واستدامة، فنجاح هذه الدول في تحديث التشريعات، وتعزيز الحوكمة، وتطوير الإدارة، وتوسيع التعاون الإقليمي بين مؤسساتها التعاونية، سيحول هذا القطاع إلى محرك رئيسي للنمو، يوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ويعزز التكامل الاقتصادي على أسس أكثر استدامة.

اترك تعليقا